الدكتور محمد مونشيح
طُرِح على هامش احتجاجات حركة جيل زيد في المغرب موضوع الانتخابات، وتمّ التأكيد على وجود إرادة للقيام بالعديد من الإصلاحات التي من شأنها ضمان إسهام أكبر للشباب في العملية الانتخابية، باعتبارها أحد المخارج المهمّة لتعزيز مشاركة هذه الفئة في الحياة السياسية. إلا أنّ طبيعة العلاقة بين الانتخابي والاحتجاجي في المغرب، وتمفصلها باعتبارهما شكلين أساسيين للصراع والمشاركة السياسية، لا يمكن فهمها بمعزل عن دور الملكية، بوصفها فاعلًا مركزيًا ومُحوريًا في النظام السياسي المغربي. ويمكن استنتاج انعكاسات هذا الدور من خلال:
(1): الملكية بوصفها ضامنًا (أو كابحًا) لفعالية الفضاء الانتخابي
تبنّى المغرب منذ الاستقلال نظامًا انتخابيًا يصعب فيه على حزب واحد الفوز بالسلطة منفردًا، مما يفرض تشكيل حكومات ائتلافية. هذا الواقع منح الملكية موقعًا مركزيًا، إذ يُنظر إليها بوصفها عاملًا للاستقرار. ورغم الإصلاحات السياسية والدستورية، لا يزال الحقل الانتخابي المغربي يعاني من ضعف الفعالية في إنتاج مجال سياسي مُستقل عن سلطة الملك، مع محدودية تأثير مُمثلي الشعب في مواجهة الملكية، ومحدودية المنافسة التي لا تمسّ منصب الملك.
تؤثّر الملكية بشكل مباشر في تحديد حدود اللعبة السياسية، وخصوصًا عندما يقع اقتران الزمنَين: في ولايات معينة (مثل 2011 و2016)، حدث تزامن بين الزمن الاحتجاجي والزمن الانتخابي، ضمن مسار دينامي تشرف عليه الدولة، ويتجلى ذلك من خلال:
– حدود التمثيل: يظهر ضعف التأثير الفعلي للتمثيل السياسي عندما تظلّ صلاحيات البرلمان والحكومة المُنتخبة مُقيّدة أمام السلطات الدستورية والرمزية للملكية، مما يُفرغ المؤسسات المنتخبة من محتواها التنفيذي الكامل، ويجعل الانتخابات حلًا جزئيًا لأزمة بنيوية أعمق في النظام السياسي.
لا يزال الحقل الانتخابي المغربي يعاني من ضعف الفعالية في إنتاج مجال سياسي مستقل عن سلطة الملك.
– تغذية الشكوك: عندما لا تؤدي المشاركة الانتخابية إلى تغييرات جذرية في السياسات العامة أو توزيع السلطة، بسبب دور الفاعل المركزي (الملكية)، فإن ذلك يُعزّز الوعي الجماعي بحدود اللعبة السياسية، ويُغذّي الشكوك حول جدوى الانتخابات بوصفها أداة للتغيير الحقيقي.
(2): الملكية هدفاً ووسيطاً للفضاء الاحتجاجي
يُعتبر الفضاء الاحتجاجي في المغرب، في كثير من الأحيان، فضاءً يتماس بشكل مباشر أو غير مباشر مع الملكية:
– توجيه الاحتجاج: قد تُوجَّه الاحتجاجات نحو المؤسسات المنتخبة (الحكومة أو البرلمان) لتجنّب المواجهة المباشرة مع الملكية (كما حدث مع حركة جيل زيد)، أو على العكس، قد تتحوّل المطالب الجذرية (كما في سياق حراك 20 فبراير) لتشمل المطالبة بإصلاح دستوري يمسّ صلاحيات الملك.
– التحكيم الملكي: تعمل الملكية أحيانًا وسيطًا أو محكَّمًا أخيرًا بين المطالب الاحتجاجية والمؤسسات المنتخبة، إذ تتدخّل عبر “المبادرات الملكية” لامتصاص الغضب الشعبي، ممّا يعزّز فكرة أنّ مصدر القرار والتغيير الجذري يظلّ خارج الفضاء الانتخابي، ويؤكّد تمفصل العلاقة بين الفضاءين لصالح الملكية.
تدير الملكية العلاقة بين الفضاءين الاحتجاجي والانتخابي وفق مقولة “أن يتغيّر كلّ شيء لكيلا يتغير أي شيء”
– تحويل مسار التمفصل: عندما تفشل المؤسسات المنتخبة في استيعاب المطالب، يُنسب الفشل إليها، ويُعاد توجيه الحراك نحو البحث عن بدائل خارج المنظومة المؤسساتية، وهي بدائل تتطلّب غالبًا ضغطًا على قمّة الهرم السياسي.
(3): كسر الحلقة المفرغة
إنّ الدعوة إلى كسر “الحلقة المُفرغة التي تربط بين رمزية التمثيل السياسي وضعف التأثير الفعلي”، تشير ضمنيًا إلى ضرورة إعادة تعريف العلاقة بين السلطة المنتخبة والسلطة التنفيذية والملكية. إلا أنّ كسر هذه الحلقة يتطلب، في السياق المغربي:
– تعزيز سلطة المُنتخبين: منح الفضاء الانتخابي الصلاحيات الكافية لتكون المشاركة ذات تأثير فعلي حقيقي، وليست مجرّد حضور صوري.
– تضييق مجال التمفصل السلبي: تقليل الحاجة إلى الاحتجاج بوصفه وسيلة وحيدة للضغط على السلطة العليا، عبر جعل المؤسّسات المُنتخبة قادرة على الاستجابة بفعالية.
أخيرًا، يمكن القول: تتجلى العلاقة بين الانتخابي والاحتجاجي في ظلّ الملكية بكون الأخيرة تمثّل السقف الذي يحدّد فعالية الفضاء الانتخابي، والمحطّة النهائية التي يُوجَّه إليها أو يُمتَصّ عندها الفضاء الاحتجاجي، مما يُبقي عملية التمفصل في حالة من التوتر والدوران المستمر، إذ تدير الملكية العلاقة بين الفضائين وتضع سقفًا لها، تجسيدًا لمقولة: “أن يتغيّر كلّ شيء لكيلا يتغيّر أيّ شيء”.

