قبل رفع أذان العشاء، تتحول الشوارع المتفرعة عن مسجد محمد الخامس وسط طنجة إلى امتداد إسفلتي مفروش بالسجاد، حيث تغلق شرطة المرور المنافذ مبكرا، وتستنفر السلطات المحلية حواجزها الحديدية.
وفي خضم هذا التعقيد اللوجستي، يتقدم رجل نحيل، يبلغ من العمر 59 عاما، بخطى هادئة نحو المحراب. لا يحتاج العيون الكوشي إلى مقدمات؛ إذ تكفي تنحنحة خفيفة عبر مكبر الصوت ليفرض صمتا مطبقا على آلاف الحناجر.
ولعقود، كان هذا المشهد حكرا على حي “أناسي” بالدار البيضاء، حيث أسس الكوشي ما يشبه النفوذ الصوتي المطلق، جاعلا من مسجد “الأندلس” قبلة رمضانية تضاهي في كثافتها مساجد العواصم الكبرى.
غير أن قرار انتقاله هذا العام لإمامة التراويح في طنجة لم يمر كحدث محلي عابر، بل استنسخ كتلته الجماهيرية في مدينة ذات مزاج متوسطي متقلب، ففرض إيقاعه الخاص على عاصمة البوغاز، ومحركا بوصلة المتدينين نحو أقصى الشمال.
ولا يعتمد الكوشي، المنحدر من الكتاتيب العتيقة لمدينة آسفي، على أي حيل بصرية أو استعراض صوتي؛ ففي ذروة التسعينيات، حين اجتاحت أشرطة الكاسيت والفضائيات المشرقية السوق المغربية بأساليب تلاوة تعتمد على المقامات الحجازية والتركية، اختار هو البقاء داخل حدوده، إذ تمسك برواية “ورش عن نافع” وبالطبوع الأندلسية والمغربية الصرفة.
وهكذا تحول، بوعي أو بدونه، إلى جدار صد ثقافي، وإلى حارس لـ”الأمن الروحي” في مواجهة موجات الاستيراد الديني.
أما في محراب طنجة، فيبدو بمعزل تام عن ثقافة الاستهلاك الرقمي التي طالت الشعائر؛ فلا يملك حسابات موثقة يديرها فريق علاقات عامة، ولا يوزع ابتسامات على الكاميرات.
بل إن تلاوته خشنة ومباشرة، تخلو من التكلف الدرامي الذي يتعمده بعض أقرانه لاستدرار البكاء؛ إذ يقرأ بنبرة صارمة، ومخارج حروف هندسية الدقة.
ولعل هذا الجفاء الظاهري هو تحديدا سر جاذبيته، حيث يرى فيه المصلون تجسيدا لنموذج “الفقيه” المغربي التقليدي، الذي يكتسب شرعيته من صرامة النص لا من مرونة الصورة.
وعندما ينتهي الحزب القرآني، يطوي الكوشي سجادته ويغادر من باب خلفي لتفادي الحشود، فيما تعود طنجة إلى صخبها المعتاد، وترفع الحواجز الحديدية لتعبر السيارات.
وعلى المنوال ذاته، في الليلة التالية، سيتكرر المشهد: آلاف الامتار المربعة من الإسفلت، ورجل واحد بصوت لا يتغير، يواصل ترميم الذاكرة الصوتية لبلاد باكملها.

