أقرت الحكومة المغربية، الخميس، تعديلات قانونية ترفع سقف الإنفاق المالي للمرشحين في الانتخابات التشريعية، وتدخل تغييرات على ورقة التصويت المعتمدة، في خطوة تشريعية استباقية تمهد للاستحقاقات البرلمانية المرتقبة في المملكة.
وصادق مجلس الحكومة، بناء على مقترح من وزارة الداخلية، على مرسوم يرفع الحد الأقصى للمصاريف المسموح بها لكل مرشح لانتخابات مجلس النواب من 500 ألف درهم إلى 600 ألف درهم، وفق ما أعلنه الناطق الرسمي باسم الحكومة.
وبررت السلطة التنفيذية هذا الإجراء المالي بالحاجة المباشرة إلى “مواكبة التطور الذي يعرفه حجم المصاريف الانتخابية”.
ويأتي هذا التعديل في وقت تشهد فيه تكاليف الحملات الانتخابية ارتفاعا ملحوظا، مدفوعة بزيادة الاعتماد على التواصل الرقمي عبر منصات التواصل الاجتماعي، واستخدام البيانات لتوجيه الناخبين، فضلا عن التكاليف اللوجستية الميدانية الكلاسيكية.
ويشكل تمويل الحملات الانتخابية موضوعا حساسا ونقاشا مستمرا في المشهد السياسي المغربي.
وتطالب أحزاب المعارضة وفعاليات المجتمع المدني باستمرار بتشديد الرقابة على ما يسمى بـ “المال السياسي” لضمان تكافؤ الفرص بين المرشحين المستقلين أو المنتمين لأحزاب صغرى، وأولئك المدعومين من هيئات سياسية كبرى تمتلك آلات انتخابية وإمكانيات مالية ضخمة.
ويعكس القرار الحكومي برفع هذا السقف إقرارا ضمنيا بارتفاع تكلفة العمل السياسي الميداني. وتخضع نفقات المرشحين المغاربة، سواء الفائزين بمقاعد أو المنهزمين، لرقابة بعدية يمارسها قضاة المجلس الأعلى للحسابات.
ويلزم القانون التنظيمي للانتخابات بتقديم جرد مفصل وموثق للمصاريف داخل آجال محددة، تحت طائلة عقوبات قاسية تصل إلى تجريد المخالفين من مقاعدهم البرلمانية بقرار مباشر من المحكمة الدستورية.
على صعيد متصل بالعمليات الاقتراعية، أقرت الحكومة مرسوما ثانيا يهدف إلى التحديد الدقيق لشكل ومضمون “ورقة التصويت الفريدة”، وتدقيق المقتضيات التقنية المتعلقة بكيفية ترتيب لوائح الترشيح والأحزاب داخلها.
واعتمد المغرب نظام الورقة الموحدة منذ سنوات طويلة لتجاوز تعقيدات النظام السابق الذي كان يعتمد أوراقا منفصلة، وللحد من ظاهرة تنامي الأوراق الملغاة.
وتحمل الورقة عادة رموز الأحزاب السياسية وأسماء وكلاء اللوائح، وتعتبر حاسمة في توجيه فئات واسعة من الناخبين، خصوصا في المناطق القروية أو بين الفئات التي تعتمد بشكل أساسي على التعرف البصري على الرموز الحزبية (كالميزان، المصباح، الحمامة، الجرار) لتحديد اختيارها.
ويكتسي ترتيب اللوائح داخل هذه الورقة أهمية بالغة تتجاوز الجانب الشكلي، إذ تخضع لحسابات سياسية دقيقة، حيث تتنافس الأحزاب على التموقع في صدارة الورقة أو في زوايا واضحة لضمان رؤية أفضل من طرف الناخب.
ويهدف المرسوم الجديد إلى وضع معايير تقنية وإدارية صارمة لتفادي أي ارتباك أو نزاعات محتملة حول تصميم هذه الورقة يوم الاقتراع.
وتلعب وزارة الداخلية دورا مركزيا وحاسما في التحضير للانتخابات؛ وتتولى إلى جانب الإشراف الأمني، مهام التقطيع الانتخابي، ومراجعة اللوائح، وضبط الجانب اللوجستي المتمثل في طباعة ملايين الأوراق وتوزيع صناديق الاقتراع على مختلف عمالات وأقاليم المملكة.
وتأتي هذه التعديلات التنظيمية في سياق سياسي يستعد فيه المغرب لانتخابات تشريعية ومحلية مقررة في خريف 2026. ويسعى التحالف الحكومي الثلاثي الحالي، الذي يقوده التجمع الوطني للأحرار إلى جانب حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال، إلى تجديد ولايته، في مواجهة معارضة برلمانية تسعى لإعادة ترتيب صفوفها واستعادة المبادرة.
ومن المرتقب أن تتسارع وتيرة التحضيرات التشريعية وتعديل القوانين الانتخابية خلال الأشهر المقبلة.
وتمثل تشريعيات 2026 محطة مفصلية لتقييم الحصيلة الحكومية، وسط تحديات اقتصادية واجتماعية راهنة، من أبرزها تداعيات الجفاف الهيكلي، وتنزيل ورش إصلاح أنظمة الحماية الاجتماعية والدعم المباشر، وهي ملفات ستكون بلا شك في قلب الحملات الانتخابية التي ستمول وفق السقف المالي الجديد.

