حسم القضاء الدستوري في المغرب الجدل القانوني والسياسي المتعلق بأهلية الترشح للمؤسسة التشريعية، واضعا أرضية صلبة لمنع المتابعين في قضايا الفساد ونهب المال العام من الوصول إلى قبة البرلمان، في خطوة قضائية تؤيد توجهات المشرع نحو تخليق الحياة العامة وإبعاد الشبهات عن ممثلي الأمة.
وأقرت المحكمة الدستورية، وفق قرارها الأخير بشأن القانون التنظيمي لمجلس النواب، بدستورية حرمان المتابعين قضائيا من الحق في الترشح حتى قبل صدور أحكام نهائية تدينهم، معتبرة أن الدفع بقرينة البراءة يظل ساريا أمام القضاء الزجري، لكنه لا يحول دون وضع المشرع لقيود وقائية تندرج ضمن تنظيم الحقوق السياسية، وذلك حماية لصدق ونزاهة العملية الانتخابية من بواعث عدم الاطمئنان.
ويغلق هذا القرار الباب نهائيا أمام طموحات السياسيين الملاحقين بتهم ثقيلة، إذ شمل المنع الدستوري فئات واسعة، منها الأشخاص الذين صدرت في حقهم أحكام ابتدائية بالإدانة من أجل جناية، والمتابعين الذين ضبطوا في حالة تلبس، فضلا عن المعزولين من مسؤوليات انتدابية سابقة، والمحكومين بعقوبات حبسية سواء كانت نافذة أو موقوفة التنفيذ، وهو ما اعتبرته المحكمة صيانة لمشروعية التمثيل الديمقراطي وربطا للمسؤولية بالمحاسبة.
واستندت الهيئة القضائية العليا في تعليلها إلى أن عضوية البرلمان نيابة عن الأمة تقتضي توفر شروط تنتفي مع وجود شبهات جنائية جدية، مؤكدة أن المشرع يملك السلطة التقديرية لتحديد موانع الترشح التي تهدف إلى وقاية المؤسسة التشريعية، دون أن يعد ذلك مساسا بضمانات المحاكمة العادلة التي تبقى مكفولة للمعنيين في مسارهم القضائي المنفصل عن المسار الانتخابي.
وفي سياق تحصين العملية الانتخابية، صادقت المحكمة على دستورية المقتضيات التي تجرم التشكيك في القوانين الانتخابية، موضحة أن حرية التعبير والنقد خلال الحملات السياسية يجب أن تظل محكومة بضوابط احترام كرامة الأشخاص ونزاهة الاقتراع، مشيرة إلى أن هذه القيود لا تستهدف الصحافة المهنية أو النقد المبني على معطيات دقيقة، بل ترمي إلى زجر الممارسات التي قد تمس بمصداقية العملية الديمقراطية.
كما شمل التحصين الدستوري منع فئات من موظفي وزارة الداخلية، بمن فيهم رجال وأعوان السلطة، من الترشح للانتخابات، وذلك درءا لأي شبهة تأثير على إرادة الناخبين وضمانا لمبدأ الحياد وتكافؤ الفرص، فيما اعتبرت المحكمة أن الشروط المفروضة على المترشحين المستقلين والشباب، سواء المتعلقة بجمع التوقيعات أو الدعم المالي، تندرج ضمن التنافس المشروع ولا تشكل قيودا تعسفية على حق المشاركة السياسية.

