تتجه الحكومة المغربية إلى اعتماد “حل انتقالي” لتدبير شؤون قطاع الصحافة، عبر تشكيل لجنة إدارية يرأسها قاض، لسد الفراغ القانوني الذي يعيشه المجلس الوطني للصحافة.
وأفادت مصادر مطلعة أن التوافق الحكومي جاء عقب قرار للمحكمة الدستورية، قضى بعدم دستورية مواد أساسية في مشروع قانون كان يرمي لتنظيم القطاع، مما أربك الحسابات الرسمية التي كانت تتوقع حسم الملف تشريعياً.
وكشفت المصادر ذاتها أن الأمانة العامة للحكومة ووزارة الشباب والثقافة والتواصل اتفقتا على صيغة “لجنة إدارية” بمهام تقنية محددة، لتجاوز حالة الجمود الحالية.
ويقضي التصور الحكومي الجديد بإسناد رئاسة اللجنة إلى شخصية قضائية، في خطوة تهدف إلى إضفاء طابع الحياد والقانونية على تدبير المرحلة الانتقالية الحرجة.
وستنحصر مهام هذه الهيئة المؤقتة في تصريف الأعمال الضرورية التي لا تحتمل التأجيل، وتحديداً تدبير ملف بطاقة الصحافة المهنية برسم سنة 2026.
كما ستتولى اللجنة مهمة صرف رواتب ومستحقات الموظفين والعاملين في المجلس الوطني للصحافة، لضمان السير العادي للمرفق الإداري.
ووضعت الحكومة سقفاً زمنياً لعمل هذه اللجنة، ينتهي بمجرد المصادقة النهائية على مشروع القانون المتعلق بالمجلس الوطني للصحافة ونشره في الجريدة الرسمية.
ويرتقب أن يتم تمرير النص التشريعي المعدل خلال الدورة البرلمانية الربيعية التي تفتتح في أبريل المقبل، مع إمكانية عقد دورة استثنائية للبرلمان إذا اقتضت الضرورة ذلك.
وجاء هذا التحرك الحكومي الاستعجالي بعدما أبدت المحكمة الدستورية ملاحظات جوهرية حول دستورية مشروع القانون السابق، ما فرض على السلطة التنفيذية مراجعة تصورها لتفادي فراغ مؤسساتي كامل.
وكانت الحكومة تراهن على مسار تشريعي سريع يتيح إجراء انتخابات أعضاء المجلس الجدد فور المصادقة على القانون، قبل أن يصطدم هذا المسار بالرقابة الدستورية.
ويعيش قطاع الصحافة والنشر في المغرب حالة من عدم الاستقرار المؤسساتي منذ انتهاء ولاية أول مجلس وطني منتخب للصحافة، وفشل محاولات تجديد هياكله عبر الانتخابات في موعدها القانوني.
ولجأت الحكومة في مرحلة سابقة إلى تمديد ولاية المجلس المنتهية ولايته، قبل أن تستعيض عنه بـ”لجنة مؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر”، وهي الخطوة التي أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط المهنية والحقوقية.
وواجهت “اللجنة المؤقتة” انتقادات حادة من قبل هيئات نقابية وناشرين، اعتبروا تشكيلها “تدخلاً حكومياً” يتعارض مع الفصل 28 من الدستور الذي ينص على تشجيع السلطات العمومية للتنظيم الذاتي للمهنة.
وتفاقم الوضع مع وصول الخلافات بين الهيئات المهنية الأكثر تمثيلية (الناشرون والنقابة الوطنية للصحافة) إلى الباب المسدود بخصوص القوانين المؤطرة للانتخابات ونظام الاقتراع.
ويرى مراقبون أن قرار المحكمة الدستورية الأخير أعاد النقاش إلى المربع الأول، مؤكداً ضرورة احترام المبادئ الدستورية في صياغة القوانين المنظمة للهيئات المهنية المستقلة.
ويشكل اللجوء إلى تعيين قاض على رأس اللجنة الإدارية عودة إلى صيغ التدبير التقليدية التي تعتمدها الدولة في حالات “القوة القاهرة” أو النزاعات المستعصية داخل الهيئات المهنية.
وتهدف الحكومة من خلال حصر صلاحيات اللجنة في الجوانب الإدارية والمالية (البطاقات والأجور) إلى تجنب أي قرارات تأديبية أو تنظيمية قد تثير طعوناً قانونية جديدة في ظل غياب مجلس منتخب.
وتواجه المقاولات الصحفية والصحفيون المهنيون ضبابية في الرؤية، في وقت كان يُنتظر فيه إطلاق إصلاحات هيكلية لقطاع يعاني من هشاشة اقتصادية وتحديات التحول الرقمي.
ويبقى الرهان الحالي منصباً على قدرة الحكومة والبرلمان على صياغة نص قانوني توافقي وسليم دستورياً، يمهد الطريق لانتخابات شفافة تعيد للمجلس الوطني للصحافة شرعيته الانتخابية قبل منتصف العام الجاري.

