سجلت صادرات قطاع السيارات في المغرب قفزة ملحوظة خلال شهر يناير من العام الجاري، لتعزز بذلك مكانة المملكة كقطب صناعي صاعد، رغم التراجع الطفيف الذي شهده إجمالي الصادرات الوطنية متأثرا بانخفاض حاد في مبيعات الفوسفاط ومشتقاته.
وأظهرت الأرقام الرسمية الصادرة عن مكتب الصرف، المؤسسة الحكومية المكلفة بإحصاء المبادلات الخارجية، أن مبيعات قطاع السيارات للخارج تجاوزت عتبة 12,24 مليار درهم خلال الشهر الأول من سنة 2026. ويمثل هذا الرقم نموا قويا بلغت نسبته 19,1 في المائة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، مما يؤكد المنحى التصاعدي لهذه الصناعة الاستراتيجية في البلاد التي أضحت تعتمد عليها بشكل متزايد لجلب العملة الصعبة.
وعزت النشرة الشهرية للمؤشرات الخارجية هذا الأداء الإيجابي بشكل أساسي إلى الانتعاش الكبير في مبيعات فرع “التصنيع”، الذي سجل قفزة استثنائية بنسبة 60,6 في المائة لتصل قيمته إلى قرابة 4,37 مليار درهم. كما ساهمت منظومة الأسلاك الكهربائية للسيارات، التي تشغل يدا عاملة مهمة في المناطق الصناعية المتواجدة بضواحي طنجة والقنيطرة، في هذا الزخم بنمو بلغ 9,6 في المائة، محققة عائدات ناهزت 4,96 مليار درهم.
ويعكس هذا النمو المتسارع نجاح الاستراتيجية الصناعية التي انتهجتها الرباط على مدار السنوات الماضية، والتي ارتكزت على استقطاب استثمارات أجنبية ضخمة ودمج الاقتصاد المحلي في سلاسل القيمة العالمية. وقد تحول المغرب تدريجيا إلى منصة إقليمية رائدة لإنتاج وتصدير السيارات، مستفيدا من موقعه الجغرافي وبنيته التحتية اللوجستية المتطورة.
وفي سياق التحول الصناعي ذاته، واصل قطاع الطيران المغربي التحليق في مسار إيجابي، مسجلا تحسنا في صادراته بنسبة 8,7 في المائة لتتجاوز قيمتها 2,43 مليار درهم. واستفاد هذا القطاع من ارتفاع مبيعات فرع التجميع بنسبة 17,2 في المائة، وهو ما مكن من تعويض التراجع المسجل في مبيعات نظام الأسلاك الكهربائية للربط البيني الخاص بالطائرات، والذي انخفض بناقص 5,9 في المائة. وتعزز هذه الأرقام طموحات المملكة في توسيع نسبة الإدماج المحلي في الصناعات المعقدة وخلق قيمة مضافة عالية.
على النقيض من هذه المؤشرات الصناعية المتقدمة، عانت القطاعات التقليدية والتعدينية من ضغوط ملحوظة أثرت على الميزان التجاري الإجمالي. فقد كشفت البيانات الإحصائية عن انخفاض حاد في صادرات قطاع “الفوسفاط ومشتقاته” بنسبة 43,4 في المائة. ويعكس هذا التراجع تقلبات الأسعار في السوق الدولية للأسمدة والمنتجات الفوسفاطية، التي لطالما شكلت صمام أمان تاريخي لاحتياطيات البلاد من النقد الأجنبي.
ولم تقتصر التراجعات على التعدين، بل شملت قطاعات حيوية أخرى طالما شكلت ركيزة للصادرات المغربية. إذ سجلت مبيعات قطاع الفلاحة والصناعة الغذائية انكماشا بنسبة 9,5 في المائة، وهو ما يترجم التحديات المناخية وتداعيات الجفاف التي توالت على المملكة، والتي أثرت بشكل مباشر على المحاصيل الموجهة للتصدير.
وبدورها، تراجعت صادرات قطاع النسيج والجلد بنسبة 5,9 في المائة، إلى جانب انخفاض في قطاع الإلكترونيك والكهرباء بنسبة 3,8 في المائة.
وبالمحصلة، ألقت هذه التراجعات المتعددة بظلالها على المشهد التجاري العام للمغرب خلال شهر يناير المنصرم. فقد سجل إجمالي الصادرات تراجعا بنسبة 2,7 في المائة، ليستقر في حدود 34,5 مليار درهم. وتبرز هذه المعطيات حجم التحدي الذي يواجهه الاقتصاد المغربي، وتسلط الضوء على الأهمية القصوى للقطاعات التكنولوجية والصناعية الحديثة في التخفيف من حدة الصدمات الناجمة عن تقلبات الأسواق العالمية للمواد الأولية.

