في ورشة مفتوحة تمتد من شواطئ البحر المتوسط وصولا إلى أطراف المدينة الجنوبية، تعيش طنجة تحولا حضريا متسارعا مدفوعا بالزخم المرتبط بنهائيات كأس أمم إفريقيا 2025.
هذه الدينامية لا تقتصر فقط على البنية التحتية الرياضية، بل تمتد لتصيغ مشهدا عقاريا جديدا تتقاطع فيه طموحات المستثمرين مع الانتعاشة السياحية القياسية، لتجعل من “عروس الشمال” قطبا استثماريا يتجاوز طابعها الموسمي التقليدي.
وتشهد المدينة التي تعد بوابة إفريقيا نحو أوروبا حركية عقارية لافتة خلال الأشهر الأخيرة، تترجم مزيجا معقدا ومتناغما من العوامل الاقتصادية والسياحية والرياضية.
وتضع هذه العوامل المدينة في موقع صاعد واستراتيجي داخل الخريطة الاستثمارية الوطنية للمملكة.
فبين ارتفاع ملموس في مؤشرات الإيواء السياحي الذي ميز أغلب فترات سنة 2025، وبين ورشات العمل الضخمة تزامنا مع مجريات العرس القاري، تبدو السوق العقارية وكأنها تعيد ترتيب ملامح جاذبيتها على أسس أكثر وضوحا واستدامة متجاوزة مرحلة الركود النسبي.
معادلة رابحة بين السياحة والعقار
وتكشف المعطيات الرسمية عن انتعاشة رقمية دالة؛ فقد سجلت أسعار العقار السكني في طنجة خلال الفصل الثالث من السنة الجارية ارتفاعا قدره 1.8 في المئة، وهو رقم يحمل دلالات عميقة في سوق تبحث عن الاستقرار.
وبالموازاة مع ذلك، تجاوز عدد ليالي المبيت في مؤسسات الإيواء المصنفة حاجز 1.3 مليون ليلة ما بين يناير وشتنبر، مسجلا زيادة ملحوظة مقارنة بالفترة نفسها.
ويؤكد المهنيون أن هذه الحركية السياحية تحولت إلى عامل أساسي في تعزيز الثقة لدى المستثمرين، مما خلق إقبالا متزايدا على الشقق المفروشة والمنتوجات الموجهة للكراء قصير المدى.
ويرى الفاعلون أن السوق العقارية في طنجة تمر بمرحلة مفصلية، حيث يأخذ الطلب منحى أكثر وضوحا. وفي هذا السياق، يعتبر رئيس جمعية اتحاد المنعشين العقاريين، عيسى بنيعقوب أن سلوك الزبون قد تغير بشكل جذري. ويوضح أن الزبناء اليوم يبحثون عن “منتوج هجين” يجمع بذكاء بين السكن الشخصي والقابلية للاستثمار الفوري. ويضيف أن الوحدات المتوسطة والصغيرة المجهزة بالكامل أصبحت تمثل جزءا كبيرا من المعاملات، لا سيما في المناطق القريبة من الساحل أو محاور النقل.
ويشير بنيعقوب إلى أن دينامية السياحة الاستثنائية خلال 2025 أدخلت السوق في نمط جديد كليا من الطلب، حيث يبدي المستثمرون وخاصة مغاربة العالم اهتماما بطنجة كوجهة قادرة على تقديم عائد سريع ومستقر.
وتتعزز هذه القناعة خلال فترات النشاط السياحي والمهرجانات التي تعرف نسب ملء قياسية، مما يجعل من امتلاك عقار في المدينة استثمارا ذا مردودية مضمونة.
ويرصد الفاعلون كيف أن المشاريع الجديدة بدأت تتكيف بمرونة مع هذا الاتجاه وتوفر مساحات ذكية التصميم تسهل استعمالها بين السكن والسياحة، وتظهر هذه الانتعاشة بوضوح في الأحياء الساحلية ومحيط المراكز التجارية والمطار ومحطة القطار.
حمى “الكان” تعيد رسم الخريطة
وعلى الجانب الآخر، يلعب العامل الرياضي دورا محوريا، حيث يؤكد بنيعقوب أن طنجة دخلت مرحلة موسعة من الجاذبية مستفيدة من ثقة مرتفعة في موقعها والزخم الذي يوفره احتضان البطولة.
ويقول إن السوق في طنجة لم تعد سوقا موسمية ترتبط بالصيف، بل أصبحت قائمة على أساس الطلب المستمر طوال العام. ويشير إلى أن الاستعدادات ساهمت في تسريع الإجراءات التنظيمية، موضحا أن الفترة الأخيرة عرفت درجة أعلى من التنسيق في دراسة الملفات التقنية وتسريع بعض الإجراءات، حيث تتطلب المشاريع مواكبة أسهل لضمان جاهزية المدينة.
ويرى الفاعل المهني أن هذا التفاعل قد يساعد على تعزيز مناخ الاستثمار من خلال تخفيف المساطر وتوضيح جوانب مرتبطة بتصاميم التهيئة، خاصة بمحيط محطة القطار ومنطقة السانية.
وتتجه أنظار المستثمرين نحو محيط الملعب الكبير وخليج طنجة، حيث يزداد الطلب على الإقامات المجهزة للكراء قصير المدى تحسبا لتدفق الجماهير.
ويوضح بنيعقوب أن هذا الزخم يمثل فرصة ذهبية ولكنه ليس السبب الوحيد، إذ يستمر الطلب طوال السنة، ويتوسع ليشمل مناطق تشهد تهيئة واسعة مستندة إلى جودة البناء والمحيط الخدمات.
استثمار ذكي يتجاوز السكن التقليدي
وتبرز مشاريع “الإقامات المختلطة” كأحد أبرز توجهات السوق في 2025 عبر مزج السكن والسياحة والخدمات. ويرى المراقبون أن المشاريع متعددة الوظائف تجذب الطلب، لا سيما مع نمط العيش الحضري الجديد.
ووفق آراء الفاعلين، يجعل توسع التهيئة العمرانية من طنجة مساحة عقارية مفتوحة على فرص متنوعة من الشقق الفاخرة إلى المشاريع المحاذية للنقل. وفي هذا الصدد، تتشكل قيمة العقار في طنجة بناء على مزيج دقيق من المعطيات، أبرزها الموقع والخدمات وجودة المحيط، حيث ستشهد المرحلة المقبلة اهتماما بالمناطق القريبة من الساحل والبنيات.
ومع استمرار ارتفاع الطلب يتوقع المهنيون تصاعدا معتدلا في أسعار 2026 مدفوعا بفرص التوسع ومشاريع مهيكلة. ويختتم عيسى بنيعقوب بالقول إن الميزة الأساسية هي التوازن بين العائد واستقرار السوق، مما يحمي المدينة من الفقاعات.
ويؤكد أن التحسن المستمر في البنية الإدارية والتنظيمية بفضل الأوراش الملكية والبرامج التنموية، مع توضيح الرؤى بالنسبة لتصاميم التهيئة، سيجعل من طنجة بيئة خصبة ومناسبة لدخول فئات جديدة من المستثمرين كانوا يترددون سابقا.
وبين متغيرات السوق العالمية ومعطيات النمو، تبدو طنجة مقبلة على فترة توسع غير مسبوق تستند إلى دينامية مستقرة ورؤية جديدة، مما يعزز صورة المدينة كمنصة عقارية صاعدة تتجاوز حدود الحدث الرياضي.

