صادق مجلس النواب، اليوم الجمعة، على مشروع قانون المالية لعام 2026، في جلسة عامة طغى عليها الفراغ في المقاعد أكثر من النقاش السياسي، مكرسة بذلك ظاهرة العزوف البرلماني التي باتت تسم العمل التشريعي في المملكة.
ولم يشارك في عملية التصويت سوى 105 نائبا من أصل 395، في مشهد يعيد إنتاج سلوك الغياب المتكرر حتى في المواعيد الدستورية الكبرى.
وأظهرت اللوحة الإلكترونية داخل القاعة العامة موافقة 80 نائبا فقط على المشروع في قراءته الثانية، مقابل معارضة 25 نائبا، دون تسجيل أي حالة امتناع.
وتعني هذه الحصيلة الرقمية أن ما يقارب ثلاثة أرباع أعضاء الغرفة الأولى للبرلمان (نحو 290 نائبا) تخلفوا عن الحضور، لتستقر نسبة المشاركة الفعلية عند عتبة متدنية لم تتجاوز 26 بالمئة من إجمالي تركيبة المجلس.
وانطلقت الجلسة التي ترأسها رئيس المجلس لبت نقطة فريدة تتعلق بالتصويت النهائي، في أجواء إجرائية عادية.
فبعد تلاوة تقرير لجنة المالية والتنمية الاقتصادية، فتح باب التصويت الإلكتروني الذي لم يسجل أي أعطال أو ملاحظات تنظيمية، غير أن السلاسة التقنية قابلها ضعف بشري لافت، إذ لم يطرأ أي تغيير على عدد الحاضرين منذ افتتاح الجلسة وحتى رفعها.
ويرى مراقبون للشأن البرلماني في المغرب أن هذا المستوى من الحضور لم يعد يشكل “سابقة” أو حدثا معزولا، بل تحول إلى نمط هيكلي يطبع الجلسات العامة، بما فيها تلك المخصصة للحسم في نصوص استراتيجية تحدد التوجهات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد للعام المقبل.
ويبرز هذا الرقم الهزيل الفجوة المتسعة بين العدد القانوني للمجلس وبين الكتلة الناخبة التي تمارس مهامها فعليا تحت القبة، خاصة في المراحل النهائية لاعتماد النصوص.
وتثير هذه الأرقام مجددا النقاش حول نجاعة الآليات الداخلية المعتمدة لضبط الحضور، ومدى التزام ممثلي الأمة بواجباتهم الدستورية.
وتأتي هذه المصادقة “الباهتة” في وقت يواجه فيه البرلمان انتقادات متزايدة بشأن مردودية النواب، حيث يعتبر متابعون أن حسم مصير موازنة الدولة بأصوات ربع الأعضاء فقط يضعف الثقل السياسي للمؤسسة التشريعية أمام الرأي العام.
ورغم حساسية الظرفية الاقتصادية التي يمر بها المغرب والتي تتطلب عادة تعبئة سياسية شاملة، ظلت نسبة الغياب هي “الكتلة الأكبر” المهيمنة على المشهد في هذه الجلسة، ما يطرح تساؤلات ملحة حول مستقبل العمل البرلماني في ظل استمرار هذا النزيف في الحضور الذي لا يبدو أنه في طريقه للانحسار.

