يتواصل الجدل في المغرب حول المادة 9 من مشروع قانون المالية لسنة 2026، وذلك بعد مصادقة مجلس النواب على المشروع بالأغلبية. وقد أثارت الصيغة الجديدة للمادة انتقادات واسعة من محامين وحقوقيين اعتبروا التعديل خطوة تراجعية تعمق أزمة تنفيذ الاحكام القضائية الصادرة ضد الدولة والجماعات الترابية، وتحوّل الاحكام النهائية إلى قرارات فاقدة لسلطة التنفيذ.
وتشير الانتقادات إلى ان التعديل الجديد يمدد آجال تنفيذ الاحكام المرتبطة بنفقات الدولة والجماعات إلى ست سنوات إضافية في حال غياب الاعتمادات، بدلا من أربع سنوات المعمول بها منذ قانون مالية 2020، إلى جانب فترة انتقالية تمتد لسنتين قبل دخول المقتضيات حيز التطبيق. وبذلك قد يجد متقاض صدر لصالحه حكم نهائي نفسه مضطرا للانتظار ما بين عشر واربعة عشر عاما للحصول على مستحقاته، بالنظر إلى طول المسار القضائي الذي يمتد من الدرجة الأولى إلى محكمة النقض.
ويرى خبراء قانونيون ان هذه المقتضيات تطرح إشكالات دستورية واضحة، خاصة ان الدستور ينص على إلزامية الاحكام القضائية، في حين تؤدي الصيغة الحالية إلى تجميد تنفيذها فعليا. كما يثير التعديل مخاوف لدى الفاعلين الاقتصاديين، ولا سيما المقاولات الصغيرة والمتوسطة، التي غالبا ما تعتمد على تنفيذ الاحكام لتجاوز صعوبات مالية، بينما يؤدي تأخير صرف المستحقات إلى تعطيل مشاريع وتعرض مقاولات لخطر التصفية.
وفي مقابل الانتقادات، تشير معطيات من مصادر إدارية إلى ان جزءا من اختلالات تنفيذ الاحكام يعود إلى ممارسات داخل بعض الجماعات الترابية، من بينها التأخير المتعمد او ربط التنفيذ باعتبارات غير قانونية، إضافة إلى ضعف التتبع وتقادم الملفات، رغم توفر الاعتمادات في عدد من الحالات. وقد دفعت هذه الوضعية وزارة الداخلية إلى تفعيل خلايا يقظة لتسريع تنفيذ الاحكام وتحذير رؤساء جماعات من التأخر غير المبرر، مما يكشف ان الاشكال مؤسساتي بقدر ما هو مالي.
وتبرز معطيات السنوات الماضية ان تطبيق المادة 9 بصيغتها السابقة خلق وضعا اعتبره حقوقيون غير مسبوق، تتحصن فيه الإدارة ضد إجراءات الحجز، فيما يصبح الآمر بالصرف صاحب القرار الأول والأخير في توقيت تنفيذ حكم قضائي نهائي. وفي غياب أدوات فعالة بيد قاضي التنفيذ، تحول الحكم إلى وثيقة إثبات تحتاج إلى موافقة الإدارة لتنفيذه، وهو ما وصف بأنه يضرب في عمق أسس دولة القانون.
ويرى مراقبون ان التعديل الجديد لا يعالج مواطن الخلل بقدر ما يؤجلها، في حين كان بالإمكان اعتماد حلول عملية تضمن التوازن بين حماية المال العام واحترام سلطة القضاء، مثل إحداث صندوق وطني لتنفيذ الاحكام النهائية، او إدراج المبالغ المحكوم بها بشكل تلقائي في الميزانيات السنوية، او تفعيل آليات تأديبية بحق المسؤولين الذين يعرقلون التنفيذ.

