تستعد باريس والرباط لزيارة دولة مرتقبة للملك محمد السادس خلال خريف السنة الجارية، في محطة دبلوماسية تهدف إلى إعادة هيكلة الشراكة الاستراتيجية عبر صياغة معاهدة ثنائية تؤسس لإطار مؤسساتي مستدام بين البلدين.
وتعد هذه المحطة أول زيارة دولة يقوم بها العاهل المغربي إلى فرنسا منذ سنة 2012، وتأتي لتتويج مسار تقارب متسارع أعقب فترة من الجمود، خاصة بعد إعلان باريس في يوليوز 2024 دعمها لسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.
وتشمل التحضيرات الجارية صياغة مشروع معاهدة ثنائية شاملة، أوكلت مهمة إعدادها إلى لجنة عمل مشتركة تضم شخصيات سياسية واقتصادية وثقافية بارزة، وتعرف باسم لجنة الحكماء.
وتسعى هذه المعاهدة إلى تحصين العلاقات الثنائية من التقلبات السياسية الظرفية، عبر إرساء التزامات مؤسساتية طويلة الأمد، على غرار المعاهدات التاريخية التي تربط فرنسا بشركائها الأوروبيين.
ويضم الجانب المغربي في هذه اللجنة مسؤولين من بينهم المندوب السامي للتخطيط شكيب بنموسى، والرئيس المدير العام لمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط مصطفى التراب، والكاتبة العامة لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج منية بوستة.
ويمثل الجانب الفرنسي في اللجنة وزير الشؤون الخارجية الأسبق هوبير فيدرين، ووزيرة الجيوش السابقة فلورانس بارلي، والوزيرة السابقة سارة العايري، والكاتبة ليلى سليماني.
وعقدت اللجنة أول اجتماع تنسيقي لها في العاصمة الرباط خلال شهر مارس الماضي، بمواكبة من قصر الإليزيه ووزارة الخارجية الفرنسية.
ومن المرتقب أن تنهي فرق العمل إعداد مسودة أولية للمعاهدة خلال شهر ماي المقبل، قبل إحالتها على قيادتي البلدين لاعتمادها بصفة رسمية خلال الزيارة الملكية.
وتشمل المحاور الكبرى للمعاهدة قطاعات الاقتصاد والتجارة والاستثمارات، إضافة إلى الانتقال الطاقي وتدبير الموارد المائية، وتطوير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، والأمن الغذائي والصحي.
ويتصدر التنسيق الدبلوماسي المشترك بنود الوثيقة، إلى جانب التعاون الثقافي والجامعي، وتدبير ملفات الهجرة والتنقل بين البلدين، وقضايا المجتمع المدني.
وتتطرق المعاهدة أيضا إلى التنسيق العملياتي في التحضير للتظاهرات الدولية، وفي مقدمتها التنظيم المشترك لكأس العالم لكرة القدم 2030، والمساهمة الفرنسية في مشاريع البنية التحتية.
وعلى الصعيد الإقليمي، يشمل التحضير للزيارة تنسيق المواقف المشتركة حيال القضايا الجيوسياسية، ولاسيما التحديات الأمنية في منطقة الساحل، ومكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر.
وتعكس هذه الخطوة توجها فرنسيا نحو الاعتماد على المغرب كشريك موثوق وقطب استقرار إقليمي، لتسهيل إعادة التموضع الاستراتيجي لباريس في إفريقيا، وتعزيز الشراكات الأورو متوسطية.
وتأتي هذه التحضيرات بعد تبادل مكثف للزيارات الوزارية بين مسؤولي البلدين خلال الأشهر الماضية، حيث زار وزراء فرنسيون الرباط لتوقيع اتفاقيات شراكة في قطاعات النقل والتعليم العالي والصناعة.
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أكد رغبة بلاده في بناء مسار جديد مع المغرب، متجاوزا أزمات التأشيرات والقرارات الأوروبية التي أثرت على مسار العلاقات.
وتجاوزت المبادلات التجارية بين الرباط وباريس 14 مليار يورو السنة الماضية، مع حضور أكثر من ألف مقاولة فرنسية في المغرب، ما يجعله الوجهة الأولى للاستثمارات الفرنسية في القارة.
وتعمل الدبلوماسية المغربية على تنويع شراكاتها الاستراتيجية، مبنية على مبدأ الاحترام المتبادل والوضوح في المواقف، خاصة فيما يتعلق بقضية الوحدة الترابية للمملكة.
وتشكل الزيارة المرتقبة محطة فاصلة لترجمة التوافقات السياسية إلى مشاريع اقتصادية وتنموية ملموسة، تضمن مصالح البلدين ضمن تحالف استراتيجي متجدد ومستقر.

