يواجه سكان المناطق الجبلية في المغرب، ولا سيما في إقليم الحوز الذي لا تزال جراح زلزال شتنبر 2023 لم تندمل فيه بعد، “حصارا أبيض” قاس يفرض عليهم تحديات معيشية ولوجستية معقدة، إثر وصول منخفض جوي قطبي وضع السلطات في سباق محموم مع الزمن لكسر طوق العزلة وتأمين شريان حياة لآلاف الأسر وسط تضاريس وعرة وظروف مناخية قاهرة.
وتعيش ساكنة المرتفعات التي يتجاوز علوها 1800 متر، وتحديدا في أقاليم الحوز وأزيلال وميدلت وورزازات، تحت وطأة نشرة إنذارية من مستوى يقظة “أحمر”، حيث حذرت المديرية العامة للأرصاد الجوية من تساقطات ثلجية كثيفة تتراوح مقاييسها بين 50 و80 سنتيمترا تستمر حتى منتصف نهار الأربعاء، في وضعية تزداد خطورة بفعل هبات رياح قوية تصل سرعتها إلى 85 كيلومترا في الساعة، ما يهدد باقتلاع الخيام المؤقتة أو الإضرار بالمساكن التي هي في طور إعادة البناء.
وفي هذه المناطق التي تمزج بين قسوة الجغرافيا وهشاشة البنى التحتية، تحاول فرق التدخل التابعة لوزارة التجهيز والسلطات المحلية الإبقاء على المحاور الطرقية سالكة، حيث تم نشر مئات الآليات من كاسحات الثلوج والجرافات لمواجهة ما وصفه مسؤولون محليون بـ”المعركة المستمرة” ضد الطبيعة، خصوصا في شبكة طرقية جبلية تمتد لمئات الكيلومترات، كما هو الحال في إقليم ميدلت الذي يضم وحده 700 كيلومتر من الطرق المعرضة للانقطاع.
وتتركز المخاوف بشكل أكبر في إقليم الحوز وتارودانت وشيشاوة، وهي المناطق الأكثر تضررا من الزلزال الأخير، حيث يضاعف البرد القارس والثلوج من معاناة الساكنة التي تقطن في وحدات سكنية مؤقتة أو منازل لم تكتمل صيانتها، ما دفع السلطات إلى تفعيل لجان اليقظة الإقليمية لتنفيذ خطط طوارئ تشمل توزيع حطب التدفئة والأغطية والمواد الغذائية لضمان الصمود أمام موجة البرد.
وسعيا لتفادي مآسي إنسانية قد تنجم عن انقطاع المسالك، باشرت السلطات عمليات إجلاء استباقية دقيقة، استهدفت النساء الحوامل المقبلات على الولادة والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة في الدواوير النائية، ونقلهم إلى “دور للأمومة” ومراكز صحية مجهزة قرب المحاور الرئيسية، وهي استراتيجية تهدف إلى تجنب سيناريوهات الولادات المتعسرة أو الأزمات الصحية الطارئة وسط الحصار الثلجي.
ولا تقتصر التحديات على الثلوج فحسب، إذ أشار تقرير ميداني من إقليم أزيلال إلى تعقيدات إضافية تتمثل في السيول الجارفة والانهيارات الطينية الناجمة عن الأمطار الغزيرة، مما اضطر فرق الإغاثة إلى التعامل المزدوج مع إزاحة الثلوج في القمم وإزالة الأوحال في السفوح، لاسيما في مناطق “آيت بوكماز” و”زاوية أحنصال”، لضمان وصول المساعدات.
وبالموازاة مع الشق اللوجستي، تحاول المنظومة الصحية التوغل في المناطق المعزولة عبر قوافل طبية متنقلة، كما جرى في إقليم خنيفرة ضمن برنامج “رعاية”، حيث تم تجنيد وحدات مجهزة وطواقم طبية لتقديم الفحوصات وتوزيع الأدوية بالمجان، في محاولة لمحاصرة الأمراض التنفسية والتعفنات التي تنشط في مثل هذه الظروف المناخية القاسية.
ويمتد نطاق الاضطراب الجوي ليشمل مناطق واسعة من المملكة، حيث تتوقع الأرصاد الجوية هطول أمطار قوية تتراوح بين 30 و50 ملمترا في مدن الساحل والسهول مثل طنجة والرباط والدار البيضاء، إلا أن الأنظار تظل شاخصة نحو قمم الأطلس، حيث يخوض السكان والسلطات اختبارا حقيقيا لقدرة الصمود وإدارة الأزمات في مواجهة شتاء لا يرحم.

