تتجه الإدارة الأميركية نحو ممارسة ضغوط ملموسة لاستعجال تسوية سياسية نهائية لملف الصحراء المغربية قبل حلول موعد الإحاطات الأممية المرتقبة في أبريل المقبل، وسط نقاشات متقدمة حول إمكانية تكييف طبيعة عمل بعثة “المينورسو” مستقبلا لتواكب التنزيل الميداني لمقترح الحكم الذاتي.
وأفادت مصادر دبلوماسية متطابقة أن الجولة الجديدة من المحادثات التي احتضنتها واشنطن يومي الإثنين والثلاثاء، برعاية أميركية وحضور المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا، ركزت بشكل مباشر على الآليات التنفيذية للحل.
وجمعت هذه اللقاءات، التي تكرس مجددا صيغة “الموائد المستديرة”، وفودا تمثل المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو.
وبحسب المعطيات المتوفرة، فقد تجاوزت المشاورات الحالية مرحلة إدارة النزاع لتطرح على طاولة النقاش تحولا استراتيجيا يهم ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (مينورسو).
ويرتكز هذا التحول المرتقب على نقل مهام البعثة الأممية، بشكل تدريجي، من المراقبة الكلاسيكية لوقف إطلاق النار إلى الإشراف ومواكبة التنزيل الميداني لمقترح الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية.
ويعكس هذا التوجه، وفقا لمراقبين، قناعة متزايدة لدى المنتظم الدولي بتجاوز الأطروحات الانفصالية، التي توصف بغير القابلة للتطبيق والمحسومة سلفا على أرض الواقع، لصالح خيارات سياسية عملية وقابلة للتنفيذ في إطار السيادة المغربية.
وفي هذا السياق، تدارست الأطراف المعنية خلال اجتماعات واشنطن تفاصيل “نسخة مطورة” من مبادرة الحكم الذاتي.
وتتألف هذه الوثيقة المرجعية المحدثة من حوالي أربعين صفحة، وتتضمن خريطة طريق دقيقة تحدد الهيكلة الإدارية، والصلاحيات القانونية والمالية، فضلا عن الآليات المؤسساتية الكفيلة بتمكين ساكنة المنطقة من التدبير الديمقراطي لشؤونهم المحلية، ضمن منظومة الوحدة الترابية للمملكة.
وارتباطا بورش الحكم الذاتي، سلطت النقاشات الضوء على الدينامية السوسيو-اقتصادية التي تشهدها الأقاليم الجنوبية للمملكة. وتم ربط التعديل المحتمل لمهام البعثة الأممية بضرورة مواكبة المشاريع التنموية الكبرى والبنيات التحتية التي تم إنجازها، والتي تشكل رافعة أساسية لضمان نجاح التنزيل الميداني للمبادرة المغربية وجعل المنطقة قطبا اقتصاديا إقليميا.
وتعتمد الدبلوماسية الأميركية في مقاربتها الحالية على آلية حوار صريحة، تضع مسارا زمنيا دقيقا لتجاوز حالة الجمود المفروضة على الملف.
وتشير المصادر ذاتها إلى أن واشنطن وجهت رسائل للأطراف المعنية بضرورة الانخراط الفعلي في الحل الواقعي المتمثل في الحكم الذاتي، مؤكدة أن استمرار الوضع القائم لم يعد خيارا مقبولا في ظل التحديات الأمنية والجيوسياسية المتسارعة في المنطقة.
وتأتي هذه التحركات الدبلوماسية المكثفة في إطار مساعي واشنطن لانتزاع توافقات مبدئية، وإرساء أرضية مشتركة قبل الجلسة المرتقبة لمجلس الأمن الدولي.
وتستند الرعاية الأميركية في هذا المسار إلى محددات القرار الأممي الأخير رقم 2797، الصادر في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، والذي جدد التأكيد على أولوية المبادرة المغربية، واصفا إياها بالأساس الأكثر جدية وواقعية لحل هذا النزاع الإقليمي.
وشكلت مخرجات هذه الجولة التفاوضية تكريسا للإلزام الدبلوماسي للجزائر، بصفتها طرفا رئيسيا في النزاع المفتعل.
وتفرض المقاربة الحالية، المدعومة بثقل الإدارة الأميركية والشرعية الأممية، استمرار الانخراط الجدي في آلية “الموائد المستديرة”، مما يضع الأطراف الأخرى أمام خيارات دبلوماسية دقيقة تحتم التفاعل الإيجابي مع الدينامية التي تقودها الرباط.
وكانت هذه الجولة استكمالا للقاءات دبلوماسية تمهيدية احتضنتها العاصمة الإسبانية مدريد مطلع الشهر الجاري. وتراهن الدبلوماسية الأميركية والقوى الدولية الفاعلة على استثمار الزخم الدولي المتصاعد، لترجمة هذا الدعم السياسي إلى مسار قانوني وإداري ملموس.
ويُنظر إلى هذا التحول الدبلوماسي كخطوة حاسمة لطي صفحة النزاع، بهدف التأسيس لمرحلة جديدة تعزز الاستقرار الأمني والتكامل الاقتصادي في المنطقة المغاربية وفضاء الساحل والصحراء.

