خطت السلطات المغربية يوم الجمعة خطوة حاسمة نحو إعادة تشكيل خارطة الحكامة الترابية في المملكة، من خلال تدشين “جيل جديد” من برامج التنمية، في مسعى لتجاوز مرحلة التخطيط التقني إلى مرحلة الأثر الاقتصادي المباشر، لا سيما في ملفي التشغيل والاستثمار اللذين باتا في صلب اختصاصات المجالس الجهوية.
وعكس الاجتماع الذي ترأسه وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت مع رؤساء الجهات الاثني عشر، بحضور ولاة المملكة، تحولا استراتيجيا في تعاطي المركز مع المحيط.
ويرى مراقبون أن هذا اللقاء، الذي يأتي في سياق تنزيل التوجيهات الملكية، يتجاوز الطابع البروتوكولي ليؤسس لمرحلة “التعاقد المنتج”، حيث لم تعد الجهة مجرد وعاء إداري لتنفيذ مشاريع البنية التحتية، بل تحولت إلى فاعل اقتصادي يمتلك سلطة القرار في تحديد الأولويات التنموية.
ويكتسي توقيت هذا الحراك الرسمي، الذي توج مشاورات ماراثونية انطلقت منتصف أكتوبر 2025، أهمية بالغة بالنظر إلى الرهانات التي تنتظر المملكة.
فمع اقتراب موعد استضافة كأس العالم 2030، تسعى الرباط إلى ضمان جاهزية ترابية شاملة لا تقتصر على المدن الكبرى، بل تمتد لتشمل تنمية قروية مندمجة، وهو ما يفسر التركيز الحكومي على تسريع وتيرة هذه البرامج لضمان التقائية السياسات العمومية قبل حلول المواعيد الدولية الكبرى.
وأظهرت المعطيات الصادرة عن الاجتماع أن المقاربة الجديدة تقطع مع أسلوب “الإسقاط العمودي” للمشاريع. فقد شكلت المشاورات الموسعة التي شملت المجتمع المدني والفاعلين المحليين سابقة في تاريخ التخطيط الترابي بالمغرب، وهي خطوة يقرأ فيها محللون رغبة الدولة في تحصين هذه البرامج اجتماعيا، وضمان انخراط الساكنة في التنزيل، تفاديا للاحتجاجات الاجتماعية التي غالبا ما تنتج عن غياب العدالة المجالية أو ضعف الخدمات.
وتشير التفاصيل المستقاة من مخرجات اللقاء إلى أن “الجيل الجديد” من البرامج يتميز بدقة الاستهداف. فبعد سنوات من التركيز على فك العزلة والربط بالشبكات (طرق، كهرباء)، انتقلت البوصلة الآن نحو “البرمجيات التنموية” المتمثلة في خلق الثروة؛ حيث تم ربط الاختصاصات الذاتية والمشتركة للجهات، بشكل وثيق، بملفات حساسة كالتكوين المهني والتشغيل، مما يعني عمليا نقل جزء من عبء محاربة البطالة من الحكومة المركزية إلى المجالس الجهوية الأقرب إلى واقع سوق الشغل المحلي.
ولفت الانتباه في هذا السياق، تأكيد وزارة الداخلية على بلوغ مرحلة “التشخيص الترابي الدقيق وتحديد المؤشرات”، وهو ما يعكس نضجا تقنيا في عمل الجهات التي باتت تتوفر اليوم على وكالات جهوية لتنفيذ المشاريع (AREP) أكثر كفاءة.
ويسمح هذا التقدم بالمرور والسرعة القصوى نحو “التعاقد المالي” بين الدولة والجهات، لتمويل مشاريع مدرة للدخل ومستدامة بيئيا، تماشيا مع التزامات المغرب المناخية والاقتصادية.
ويبدو أن الرهان الأكبر لهذا التحول يكمن في القدرة على المواءمة بين الطموحات التنموية والواقع المالي، إذ ينتظر أن تلعب هذه البرامج المندمجة دور “المحفز” للاستثمار الخاص، من خلال توفير بيئة أعمال جهوية تنافسية، تساهم في تحقيق العدالة المجالية وتقليص الفوارق الصارخة بين المحور الاقتصادي الساحلي وباقي جهات المملكة.

