منذ ان تكررت الاشارات الاعلامية الى ميناء طنجة المتوسط بوصفه معبرا لشحنات عسكرية موجهة الى اسرائيل، بدا ان هذا الميناء المغربي لم يعد مجرد منصة لوجستيكية مزدهرة على ضفاف المتوسط، بل تحول الى عقدة في شبكة سرديات اعلامية ذات طابع سياسي، تتقاطع فيها رهانات اقليمية، وتتنافس عبرها اطراف على صياغة رمزية جديدة للقوة في الفضاء العربي والمتوسطي.
ورغم غياب اي تاكيد رسمي، مغربي او اجنبي، بشان مشاركة طنجة المتوسط في اي عمليات دعم عسكري مباشر او غير مباشر لاسرائيل، فان تكرار ادراجه في تقارير وتحقيقات صحفية، خاصة في سياق الحرب على غزة، دفع بعدة مراقبين الى التساؤل حول ما اذا كان هذا الميناء، الذي يتصدر ترتيب الموانئ الافريقية، يدفع اليوم ضريبة تموقعه الجيواقتصادي المتقدم.
غير ان هذا الادراج المتكرر للميناء في تقارير ذات طابع سياسي او تعبوي، سواء عن قصد او بحكم تقاطع مسارات لوجستيكية معقدة، جعل من طنجة المتوسط طرفا معنويا في نزاع لا علاقة له به وظيفيا، وهو ما يطرح اسئلة اوسع حول قدرة المنصات الاقتصادية على الصمود امام موجات التاويل والاصطفاف، في زمن تهيمن فيه السرديات على الوقائع، وتختلط فيه الجغرافيا بالرمزية السياسية.
صعود استراتيجي مقلق للبعض
سجل ميناء طنجة المتوسط خلال سنة 2024 اداء استثنائيا من حيث حجم النشاط، حيث بلغت حركة الحاويات 10.24 ملايين وحدة مكافئة، اي بزيادة 18.8 بالمئة مقارنة بسنة 2023، وهو ما خول له ولوج قائمة افضل 20 ميناء للحاويات في العالم.
كما تجاوزت حمولة البضائع عبر هذا الميناء 142 مليون طن، بزيادة قدرها 16.2 بالمئة، فيما ارتفعت حركة الشاحنات بنسبة 8.1 بالمئة، لتصل الى 516 الف شاحنة، وبلغ عدد الركاب الذين عبروا الميناء اكثر من 3 ملايين مسافر.
وعلى المستوى المالي، سجل الميناء ايرادات قياسية ناهزت 11.23 مليار درهم، بنسبة نمو قاربت 12.3 بالمئة، ما يجعله ليس فقط بوابة عبور استثنائية، بل رافعة اقتصادية ومالية صاعدة داخل منظومة الاقتصاد المغربي.
وترافق هذا الاداء اللافت مع تعزيز تموقع الميناء كمحور لربط سلاسل التوريد العالمية بين اوروبا وافريقيا وامريكا اللاتينية، بفضل قدراته التقنية، واستثماراته المستمرة، وشبكة شركائه من كبريات الشركات العالمية كشركة ميرسك الدنماركية، وCMA CGM الفرنسية. هذه الدينامية المتصاعدة قد لا تكون مريحة لبعض الاطراف التي اعتادت احتكار ممرات التجارة التقليدية في غرب المتوسط.
سرديات اعلامية وتوظيف رمزي
وابتداء من خريف 2023، بدات تتواتر تقارير في وسائل اعلام محسوبة على تيارات ايديولوجية معينة، تتحدث عن مرور شحنات اسلحة او معدات عسكرية عبر ميناء طنجة المتوسط في اتجاه اسرائيل.
ورغم ان تلك التقارير لا تسندها دلائل قاطعة، فانها تعتمد على تحليل مسارات شحن افتراضية للسفن وعمليات تتبع حركتها عبر تطبيقات مفتوحة.
وفي ابريل 2025، تصاعد الجدل بعد نشر تقارير عن عبور شحنة مكونات طائرات F‑35 الامريكية من قاعدة فورت وورث الى اسرائيل مرورا بالمغرب، وهو ما ربط بسفينة تحمل علم الدنمارك وتوقفت في طنجة المتوسط قبل ان تواصل رحلتها نحو حيفا.
ولم يصدر اي نفي رسمي مغربي، كما ان شركة ميرسك المعنية نفت ان تكون قد شحنت اسلحة، مؤكدة التزامها بعدم خرق قواعد الشحن المدني.
لكن تكرار الاشارة الى طنجة في هذا السياق، دون التحقق من طبيعة الشحنات، ساهم في خلق انطباع عام بوجود دور محتمل، حتى وان كان غير مباشر، ما ادخل الميناء في مرمى حملات دعائية، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي، ووسط دعوات صاخبة الى الاحتجاج.
ويذهب بعض المراقبين الى اعتبار هذا التركيز الاعلامي غير بريء، اذ يتزامن مع صعود طنجة كميناء استراتيجي ينافس موانئ اوروبية كبرى كميناء الجزيرة الخضراء الاسباني، او موانئ خليجية كميناء جبل علي في دبي، وربما ايضا ميناء حمد في الدوحة.
توازن حذر وعقدة استراتيجية
حتى الان، لم تصدر عن السلطات المغربية اي توضيحات رسمية بخصوص ما يثار حول الميناء، باستثناء تاكيدات عامة على خضوع كل عمليات العبور للمراقبة والتدقيق وفق القوانين الدولية.
بالمقابل، لم تتخذ الحكومة موقفا صداميا تجاه الوسائط التي تروج لتلك المزاعم، ما يعكس تفاديا للدخول في سجالات مفتوحة قد تعطي مصداقية اكبر لتقارير مشكوك في خلفياتها.
في المقابل، حافظ المغرب على مستوى عال من التنسيق السياسي والدبلوماسي مع قطر، رغم ان معظم التقارير التي تربط الميناء باسرائيل صدرت عن منصات محسوبة على هذا البلد الخليجي.
ويقرا البعض هذا الصمت المغربي كاختيار استراتيجي لتفادي اي تصعيد مع حليف مهم في قضايا اخرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية نفسها.
وترى بعض التحليلات ان الرباط تعي ان الانخراط في مواجهات اعلامية مباشرة قد يسقطها في فخ التبرير، ويمنح زخما اكبر للجهات التي تحاول اعادة رسم خطوط الصدع في الخارطة العربية، من بوابة الملف الفلسطيني.
من وجهة نظر جيواستراتيجية، يشكل ميناء طنجة المتوسط اليوم عقدة حيوية في منظومة الربط البحري العالمي، بالنظر الى موقعه عند تقاطع المحيط الاطلسي والبحر المتوسط، واطلالته على مضيق جبل طارق. وهو الموقع، الذي مكن المغرب من توسيع نفوذه اللوجستي، قد لا يروق لقوى اقليمية تعتبر صعود طنجة تهديدا لتفوقها التاريخي.
وعلى خلفية النزاع الفلسطيني الاسرائيلي، يجد بعض الفاعلين الاقليميين فرصة لتوريط المنصة المغربية في نزاع رمزي، عبر تصويرها كحلقة في شبكة الدعم الغربي لاسرائيل، وهو ما يمنح هذه الاطراف ورقة ضغط معنوية في معركة التاثير داخل الفضاء العربي.
غير ان هذا التوظيف الرمزي، وان كان يلقى صدى لدى جمهور متعاطف مع غزة، لا يصمد امام المؤشرات الرقمية التي تعكس بوضوح طبيعة الميناء كمشروع اقتصادي صرف، متعدد الشركاء، ويخضع لرقابة جمركية وتقنية صارمة. ومع ذلك، يبقى السؤال قائما: هل يمكن ان يتحول النجاح الى عبء رمزي في زمن التشكيك والاصطفافات الاعلامية؟


