أتم فريق دولي من الباحثين حملة ميدانية في المغرب لدراسة أنواع الخفافيش وتوزيعها الجغرافي، واستكشاف الروابط البيئية المحتملة بينها وبين نظيراتها في جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية، في إطار مشروع علمي يسعى إلى تعزيز التعاون بين المغرب وجبل طارق.
وشارك في البعثة، التي حملت اسم «مغرب باتس» (MaghreBats)، عشرة باحثين من جبل طارق والمغرب وإسبانيا والمملكة المتحدة، واستمرت أعمالها الميدانية أسبوعين، متنقلة بين مناطق مختلفة من المملكة، من جبال الأطلس الكبير إلى المناطق الصحراوية.
ويقود المشروع متحف جبل طارق بشراكة مع جامعة القاضي عياض في مراكش، بهدف توسيع المعرفة العلمية بشأن الخفافيش في غرب البحر الأبيض المتوسط، وفهم تحركاتها والعلاقات المحتملة بين التجمعات الموجودة على ضفتي مضيق جبل طارق.
أنواع نادرة تثير اهتمام الباحثين
وشملت الأبحاث استكشاف أنظمة بيئية متعددة، بعضها يقع في مناطق جبلية وعرة يصعب الوصول إليها، لرصد أنواع الخفافيش وتحديد أماكن انتشارها. وأسفرت الحملة عن رصد أنواع ذات أهمية علمية، من بينها خفاش الغابات المعروف باسم «بارباستيلا بارباستيليوس» (Barbastella barbastellus)، وخفاش شمال إفريقيا المعروف علميا باسم «ميوتيس بونيكوس» (Myotis punicus)، إضافة إلى خفاش غايسلر طويل الأذنين (Plecotus gaisleri).
وتبرز هذه النتائج الإمكانات التي يوفرها المغرب لتطوير الأبحاث المتعلقة بالخفافيش، ولا سيما في ظل الأهمية البيئية للمنطقة الواقعة بين شمال إفريقيا وجنوب أوروبا.
ويستند مشروع «مغرب باتس» إلى أبحاث استمرت أكثر من عشر سنوات ضمن برنامج «غيب باتس» (Gib-Bats)، الذي وثق تحركات لخفافيش بين جبل طارق ومناطق مختلفة من شبه الجزيرة الإيبيرية، من بينها البرتغال، ما دفع الباحثين إلى توسيع نطاق دراساتهم لتشمل شمال إفريقيا.
وقال ستيوارت فينلايسون، مؤسس المشروع ومديره، إن البعثة أظهرت الإمكانات العلمية الكبيرة التي يتيحها المغرب، مشيرا إلى أن أوضاع تجمعات الخفافيش في المملكة قد تكون لها انعكاسات على نظيراتها في جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية، بما فيها جبل طارق.
وأضاف أن فهم الخفافيش في المنطقة الأوروبية لا يمكن أن يكتمل من دون دراسة ما يجري على الجانب الآخر من المضيق.
ظروف مناخية صعبة خلال البعثة
وواجه الفريق العلمي تحديات ميدانية بسبب طبيعة التضاريس والظروف الجوية، إذ اضطر الباحثون إلى العمل في مناطق نائية ووعرة، وسط عواصف رعدية وتساقط البرد وحدوث فيضانات في بعض المواقع المستكشفة.
ورغم هذه الصعوبات، تمكن الفريق من تكييف برنامجه الميداني واستكمال الأهداف المقررة للحملة الأولى.
ولا يقتصر المشروع على رصد الأنواع وتوثيقها، بل يضع حماية الخفافيش والموائل الطبيعية التي تعيش فيها ضمن أولوياته. ويحظى البحث بترخيص من الوكالة الوطنية للمياه والغابات في المغرب، التي يوجد مقرها في الرباط.
ويعتزم الباحثون تقديم معطيات وتوصيات للسلطات المغربية بشأن المناطق الطبيعية ذات الأهمية الخاصة بالنسبة إلى الخفافيش، بما قد يساعد على تحديد المواقع التي تحتاج إلى تدابير حماية محددة.
ويشارك في المشروع أيضا الباحث المغربي يوسف دبيبة بصفته شريكا في الإدارة العلمية، فيما يسعى القائمون عليه إلى بناء شبكة دولية للبحث، وتعزيز تكوين الباحثين الشباب، ووضع أسس لتدابير طويلة الأمد لحماية هذه الأنواع وموائلها.
ومن المرتقب تنظيم بعثة ميدانية ثانية إلى المغرب في أواخر نوفمبر ومطلع ديسمبر 2026، بهدف تعميق دراسة تجمعات الخفافيش وبيئاتها، وتوسيع البحث في الروابط البيئية المحتملة بين ضفتي مضيق جبل طارق.

