أكد الكاتب الصحفي طالع سعود الأطلسي أن المسيرة الخضراء “حمت الوطن من قضم لبعض جغرافيته ومن السطو على تاريخه… و سيجت حقوق الوطن، وغذت مناعتها وأكسبتها دوام المناعة في التاريخ”.
واعتبر سعود الأطلسي، في مقال بعنوان “المسيرة، تقرير المصير و… المسار” أن “المسيرة الشعبية كانت متأصلة في استراتيجية ملكية لتدبير وطن، ولهذا كانت وطنية من حيث المشاركة فيها، ووطنية من حيث مفعولها على عموم الوطن المغربي…”
وأوضح أن المسيرة الخضراء “امتلكت قدرة على صون نضارة صلاحيتها لعقود بعد وقوعها فكرة في حضن عبقرية جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني”، مشددا على أنها “ليست مجرد حدث وقع… وانتزع صفحة من التاريخ… هي، وحتى يومنا هذا، حدث واقع… مستمر الوقوع… مفعولها يسري في كل صفحات التاريخ المواكبة لهذه الحقبة… إنها المولد التاريخي لكل الأحداث ما بعدها، في هذا المسلسل الطويل، والناجز لاستكمال مقومات بناء الوطن المغربي، بالروافع الوطنية، الديمقراطية والتنموية.
وسجل في ذات السياق أن جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني تميز بصوغه لإستراتيجية تدبير مغرب ما بعد التحرر من الاستعمار، من بين عناصرها الاختيار الديمقراطي عبر صون التعددية الحزبية ،وفتح ورش الإصلاح الزراعي لاسيما عبر بناء السدود .
وتابع أن ثالث توجهات تلك الاستراتيجية تمثل في “تشبث جلالته باستكمال وحدة التراب الوطني، بالإلحاح على استرجاع الأقاليم الصحراوية وسبتة ومليلية”، مشيرا في هذا الصدد إلى أن المغرب “استرجع طرفاية وسيدي إفني، وتواصل الضغط المغربي في الأمم المتحدة خلال ستينيات وبداية سبعينيات القرن الماضي، من أجل تصفية الاستعمار من الأراضي المغربية المحتلة…”
وأبرز أن ” الحسن الثاني ، وبتبصره وعبقريته، أطلق المشاركة الشعبية المغربية في استرجاع أقاليمنا الصحراوية، عبر المسيرة السلمية في نونبر 1975… لينطلق معها مسار تاريخي ما فتئ ينمو، يتسع وينتصر للصحراء المغربية، للمغرب ومفتوح على المنطقة المغاربية عامة…”.
وسجل أن المسيرة تبقى “ممتدة الفعالية في هذا الوطن… كأنها كل يوم تحدث لأول مرة… فاعلة في مسارات تنموية، في تكريس الاختيار الديمقراطي، في التحديث المجتمعي، في التفعيل الاقتصادي وفي التطوير الصناعي… ” وأردف سعود الأطلسي أن “الملك محمد السادس، واصل على نفس النهج، بتحويرات نوعية وبإيقاعات أكثر حيوية… نسج مشروعه الإصلاحي والتحديثي على نول المسيرة الخضراء… ملأ استراتيجيته بالبعد الوطني والنفس الديمقراطي… والحس الاجتماعي… إستراتيجية طالت كل الفئات والقطاعات الاجتماعية، إقرارا لحقوقها وتحقيقا لنهضتها وتحفيزا لمشاركتها في المجهود الجماعي المغربي، المتطلع لمغرب متقدم في وحدته وموحد في تقدمه…”.
ومن تلك الاستراتيجية، يضيف سعود الأطلسي، “انبثقت سلسلة الإصلاحات العميقة والمتواصلة، والتي سرت في أنسجة الكيان المغربي ثورة، نافذة، هادئة وشاملة، طالت البنيات السياسية، الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمغرب… جددت المغرب في آلياته الداخلية، ومكنته من ديناميكية دولية مميزة… ومنها انبثق مقترح الحكم الذاتي في الأقاليم الصحراوية المغربية، لحل النزاع حولها سلميا… وهي مبادرة ما كان لها أن تصدر إلا عن ملك قوي بالتحام شعبه معه… ملك هو قائد تاريخي، متحرر من أثقال الماضي، منتصر على مثبطات الحاضر وواثق من كسب المستقبل لصالح تحول تاريخي، مثمر، مغربيا، ومغاربيا…”.
وأكد أن الملك “امتد بمفعول المسيرة الوطنية المغربية إلى أفقها الاستراتيجي… فعل التأويل الديمقراطي، الواقعي والفعال لمفهوم تقرير المصير… تقرير مصير وطن، يمتن وحدته ويغتني بتنوع مكوناته… وتقرير مصير الشعوب المغاربية، يفكك ما يفرمل وحدتها، يخمد نيران نزاع، يشغلها وينثر جهودها هباء…”، مؤكدا أن “الأفق الاستراتيجي لمبادرة الحكم الذاتي هو المجال المغاربي وفي جوهره تعبئة العلاقات المغربية الجزائرية برصيد التاريخ المشترك وتغذيتها بطموح الأخوة والتضامن للنهوض بتحديات التقدم للشعبين وللشعوب المغاربية”.
وسجل أن المواطنين في الأقاليم الصحراوية، وهم الأغلبية الغالبة من مواطنيها والمنتسبين لها، يشهدون العالم ،منذ المسيرة الخضراء ، “على مصيرهم المغربي، عبر الاستفتاءات الوطنية وعشرات الاستحقاقات الانتخابية المحلية والتشريعية… ويثبتونه بوجودهم الفعلي في الفعاليات، السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية التي لها اليوم حوصلة تنموية باهرة في مدن وقرى الصحراء المغربية ولها امتدادات على باقي الوطن المغربي”.
واعتبر أن مقترح الحكم الذاتي هو “ممر آمن، في اتجاه المستقبل، أمام البوليساريو لانتشالها من أسر أوهامها… أوهام هي ليست حمل لها، كونها جماعة من القلة القليلة للصحراويين المغاربة، وبفعل تقادم منطلقاتها والتي بها كانت تشغلها قيادة الجزائر في صراعها ضد المغرب، تحت مبررات الحرب الباردة للقرن الماضي… وأيضا لأن الأوهام تبددها حقائق تطورات الوضع المغربي، وحقائق تطورات موجهات السياسة الدولية… ولعل جماعة البوليساريو تتمكن من خلال مقترح الحكم الذاتي من تقرير مصيرها… وتلتحق بمسار التقدم المغربي… متحررة من قبضة القيادة الجزائرية…”
وسجل أن مقترح الحكم الذاتي “هو نفسه فرصة للقيادة الجزائرية لكي تفتح لها مسارا آخر مع المغرب، غير هذا النهج الذي سارت عليه، ويقودها إلى نطح سور الحق المغربي المتين… حل النزاع، الذي أدمنت عليه ضد المغرب، وعبر مدخل مقترح الحكم الذاتي، سيشرفها إذا تجاوبت مع مبادرة سلمية، الواقعية والممكنة الوحيدة، منتصرة على نفسها وعلى كوابح رواسب ماضيها… لتنفتح على تعاون مع المغرب مفتوح على تبادل المنافع والمكاسب للدولتين وللشعبين…”.

