بينما تتابع العواصم العالمية بقلق بالغ التطورات الميدانية المتسارعة في الشرق الأوسط، اختار النظام الجزائري أن ينصرف مجددا إلى هوايته التاريخية المفضلة: نسج الأكاذيب وتوزيع المنشورات المفبركة ضد المغرب، حتى ولو كان الثمن هو تسفيه مأساة جيوسياسية كبرى تهدد استقرار المنطقة بأكملها.
ففي خضم التوتر المتصاعد بين إيران وإسرائيل، ومع استمرار تبادل الضربات العسكرية على أكثر من جبهة، سارعت منابر إعلامية جزائرية محسوبة على الأجهزة العسكرية إلى ترويج وثيقة مزعومة تنسب إلى مكتب الاتصال المغربي في تل أبيب، وتدعي مقتل ضباط مغاربة في غارة إيرانية استهدفت قاعدة عسكرية إسرائيلية.
الوثيقة، التي ظهرت بصيغة بدائية ومفتقرة لأي عناصر تحقق أو توثيق، تم نشرها على نطاق واسع في وسائل إعلام جزائرية وصفحات موجهة، دون أي تأكيد من مصادر رسمية أو جهات مستقلة.
وبحسب مراقبين، فإن هذه الخطوة تندرج في إطار ما وصفوه بمحاولة فاشلة لتصدير الحرج الداخلي في الجزائر نحو الخارج، خاصة بعدما راجت خلال الأيام الماضية معطيات غير مؤكدة عن مقتل عدد من عناصر الجيش الجزائري في عمليات قصف إيراني استهدفت مواقع داخل الأراضي السورية.
وبدل الرد على هذه الأنباء بموقف شفاف، اختار النظام الجزائري أن يحول بوصلة الدعاية نحو المغرب، في حركة دعائية مكشوفة، لا تحمل أي وزن استراتيجي.
ويُنظر إلى هذا التوظيف المتعمد للحرب بين إيران وإسرائيل كمؤشر إضافي على انخراط الجزائر في استراتيجية تقوم على تحويل أي حدث دولي أو إقليمي إلى واجهة جديدة للهجوم على المغرب، في تجاهل تام لتعقيدات السياق الجيوسياسي وخطورة استسهال القفز على الوقائع. وهي ممارسة تؤكد مرة أخرى أن النزعة العدائية تجاه الرباط لم تعد مجرد توجّه ظرفي، بل أصبحت عقيدة مهيمنة على القرار السياسي والإعلامي داخل النظام الجزائري.
وفي الوقت الذي تلتزم فيه الدبلوماسية المغربية بصمت رصين، متجنبة إصدار أي موقف رسمي بخصوص النزاع القائم في الشرق الأوسط، تواصل الجزائر صناعة القصص المفبركة، مدفوعة بهاجس مرضي يجعل من المغرب عدوا دائما ومركزا لكل رواية موجهة. هذا الصمت المغربي، بحسب محللين، ليس دليلا على الحذر فقط، بل تعبير عن تموضع سياسي ناضج، يرفض الانجرار إلى صراعات لا تعنيه، ويتمسك بمسافة واضحة عن نزاعات إقليمية معقدة.
ويرى خبراء في الشأن الإقليمي أن إقحام المغرب في مشهد لا علاقة له به، وضمن حرب لا يد له فيها، يكشف عن ضيق أفق الدبلوماسية الجزائرية، التي فقدت توازنها الاستراتيجي منذ سنوات، وباتت تتحرك وفق منطق رد الفعل الغريزي، الذي لا يقوم على أي رؤية مستقبلية ولا على أي فهم لموازين القوى في المنطقة.
كما يشير محللون إلى أن الآلة الدعائية الجزائرية باتت تتحرك وفق إيقاع ثابت، قائم على اجترار نفس السرديات القديمة، من التطبيع إلى العمالة إلى التبعية، في حين أن الواقع الجيوسياسي اليوم يفرض تعاملا أكثر براغماتية وأقل شحنة إيديولوجية، وهي خصائص تغيب بالكامل عن الخطاب الرسمي الصادر من الجزائر.
وفي مقابل هذا الانفلات، تواصل الرباط توسيع دائرة علاقاتها الدولية بشكل متزن، معتمدة على منطق متوازن في بناء التحالفات والتموقع داخل الأزمات الدولية، وهو ما جعل المغرب يراكم حضورا موثوقا لدى عدة قوى دولية وإقليمية، بعيدا عن خطابات التهييج والمزايدات الإعلامية التي يروجها خصومه.
ويخلص المتابعون إلى أن الجزائر، وعوض أن تركز على إصلاح أوضاعها الداخلية أو إعادة بناء موقعها الإقليمي بشكل مسؤول، لا تزال تختار الطريق الأسهل، وهو الاستثمار في مهاجمة المغرب، ولو عبر ركوب نزاعات مسلحة دامية لا تملك فيها أي تأثير ولا حضور، ما يجعل من خطابها الخارجي مجرد صدى لآلة دعائية مفلسة، فقدت تأثيرها حتى داخل حدودها.

