أفادت بيانات رسمية حديثة بأن الاقتصاد المغربي أظهر مرونة لافتة في مواجهة التحديات العالمية، مسجلا نموا مستقرا بنسبة 4 بالمئة على أساس سنوي في الربع الأخير من عام 2025، في وقت تراهن فيه المملكة على تعزيز الطلب الداخلي لتعويض تراجع الأسواق الخارجية.
وذكرت المندوبية السامية للتخطيط في تقريرها الفصلي الصادر في يناير 2026، أن الآفاق الاقتصادية للربع الأول من العام الجاري تبدو واعدة مع توقع تسارع النمو إلى 4.2 بالمئة، مدعوما بتحسن الظروف المناخية وانتعاش مرتقب في القطاع الفلاحي بعد تحسن حقينة السدود والتساقطات المطرية.
وأشار التقرير إلى أن هذا الأداء يأتي في سياق دولي يتسم بالضبابية، حيث تواجه منطقة اليورو، الشريك التجاري الرئيسي للمغرب، تعافيا بطيئا وغير متكافئ، بينما تلقي السياسات الحمائية والرسوم الجمركية بظلالها على حركة التجارة العالمية.
زخم الاستهلاك وتأثير الكان 2025
أظهرت البيانات أن الطلب الداخلي واصل دوره المحوري في قيادة قاطرة النمو، حيث ارتفع بنسبة 6.6 بالمئة في الربع الأخير من 2025، مساهما بـ 7.2 نقطة في النمو الإجمالي.
واستفادت القدرة الشرائية للأسر من انخفاض ملموس في أسعار المواد الغذائية، مما شجع على زيادة الاستهلاك بنسبة 3.9 بالمئة.
وشكلت التحضيرات المكثفة لاستضافة نهائيات كأس الأمم الإفريقية (كان 2025) محركا قويا لقطاع الخدمات، حيث سجلت الأنشطة غير القابلة للمتاجرة انتعاشا ملحوظا.
وقفزت القيمة المضافة لقطاع الفنادق والمطاعم بنسبة 11.8 بالمئة، مدفوعة بتوافد الوفود الرياضية والجماهير.
وتجلى هذا الزخم بوضوح في القطاع السياحي، الذي اختتم سنة 2025 برقم قياسي بلغ 19.8 مليون سائح، بزيادة 14 بالمئة عن العام السابق.
وسجلت فنادق المدن المستضيفة للبطولة، ولا سيما الرباط، معدلات ملء قياسية ناهزت 90 بالمئة، فيما ارتفع النشاط في قطاع النقل الجوي للمسافرين بنحو 13 بالمئة.
وعلى صعيد سوق الشغل، ساهمت هذه الدينامية الاقتصادية في تحسن مؤشرات التوظيف، حيث تراجع معدل البطالة إلى 13.1 بالمئة في الربع الثالث من 2025، بفضل خلق فرص عمل جديدة تركزت معظمها في المناطق الحضرية وقطاع الخدمات والبناء.
تباين القطاعات والتوازنات المالية
في المقابل، كشف التقرير عن تباين في أداء القطاعات الإنتاجية، حيث واجهت الصناعات التحويلية رياحا معاكسة نتيجة ضعف الطلب الأوروبي، مسجلة نموا متواضعا بلغ 2.4 بالمئة.
وتأثرت قطاعات النسيج والصناعات الميكانيكية بتراجع المبيعات الخارجية، بينما واصلت صناعة الطائرات تحليقها خارج السرب محققة أداء إيجابيا.
وانعكس هذا الوضع على الميزان التجاري، حيث تراجعت قيمة الصادرات بنسبة 5.5 بالمئة، متأثرة بانخفاض مبيعات الفوسفاط ومشتقاته وتقلص العرض التصديري من المنتجات الفلاحية.
وفي المقابل، ارتفعت فاتورة الواردات بنسبة 9.2 بالمئة، نتيجة زيادة مشتريات سلع التجهيز والمواد الاستهلاكية، ما أدى إلى تفاقم العجز التجاري وانخفاض معدل تغطية الصادرات للواردات.
وعلى مستوى المالية العمومية، أدى تسريع وتيرة الاستثمار العمومي في مشاريع البنية التحتية إلى توسع عجز الميزانية، الذي بلغ 68.8 مليار درهم بنهاية نونبر 2025.
ورغم ذلك، حافظت سوق الأسهم على جاذبيتها، حيث حقق مؤشر مازي مكاسب سنوية قوية بلغت 27.6 بالمئة، مما يعكس ثقة المستثمرين في الآفاق المتوسطة للاقتصاد الوطني.
واختتم التقرير بالإشارة إلى نجاح السلطات النقدية والحكومية في كبح جماح التضخم، الذي انخفض إلى مستويات متدنية جدا بلغت 0.1 بالمئة في الربع الأخير من العام، وهو ما يوفر هامشا للمناورة لدعم النمو والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي في المرحلة المقبلة.

