على بعد ساعات من إسدال الستار على منافسات كأس أمم إفريقيا 2025، تتجه الأنظار صوب المغرب ليس فقط لمعرفة هوية البطل الجديد للقارة، بل لرصد ملامح “الانتصار” الأكبر الذي حققته هذه الدورة خارج المستطيل الأخضر.
فقد أثبت الرهان المغربي نجاعته في نقل “الكان” من مجرد حدث رياضي قاري يعاني موسميا من تقلبات تنظيمية ولوجستية، إلى منتج تجاري وتسويقي متكامل ينافس في السوق العالمية، مدعوما بمؤشرات رقمية غير مسبوقة أعادت صياغة جاذبية الكرة الإفريقية لدى كبار الرعاة والمستثمرين الدوليين.
وتشير البيانات المالية الصادرة عن الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم “كاف” إلى أن هذه النسخة شكلت منعطفا حاسما على مستوى العائدات، التي سجلت قفزة قياسية تجاوزت 90 بالمئة مقارنة بالدورات السابقة.
ولا يُقرأ هذا الرقم في أوساط الاقتصاد الرياضي كدليل على تحسن عابر، بل كمؤشر على خروج البطولة من دائرة “التعافي” إلى مرحلة “النمو المستدام”، وهو ما انعكس في ارتفاع عدد الشركاء التجاريين إلى 23 راعيا، بزيادة نوعية شملت فاعلين دوليين من خارج الدائرة التقليدية، مما يؤكد نجاح استراتيجية توسيع نطاق الاستهداف نحو أسواق آسيا وأمريكا اللاتينية.
وبموازاة الشق المالي، لعبت “الهندسة اللوجستية” التي اعتمدها المغرب دورا محوريا في تغيير الصورة النمطية عن البطولات الإفريقية.
فقد تجاوز الأمر مجرد توفير ملاعب بمواصفات عالمية، ليشمل منظومة تنقل متطورة ربطت بين المدن المستضيفة، وعلى رأسها خط القطار فائق السرعة “البراق”.
هذا الربط السككي والجوي السلس لم يخدم الجماهير فحسب، بل قدم للناقلين الدوليين وللوفود الإعلامية نموذجا عمليا عن “البطولة المترابطة”، وهو عامل حاسم قلص من الهدر الزمني والجهد، ورفع من جودة التغطية الإعلامية التي وصلت، بفضل البنية التحتية الرقمية، إلى مستويات بث “4K” لأول مرة بشكل شامل في تاريخ المسابقة.
وعلى الصعيد الجيوسياسي والرياضي، تحولت هذه النسخة إلى “بروفة حقيقية” ومقنعة لملف كأس العالم 2030. فالمراقبون يرون أن المغرب، من خلال إدارته المحكمة للحشود وتأمينه الانسيابي للمباريات دون حوادث تذكر، وجه “رسالة طمأنة” شديدة اللهجة إلى المجتمع الدولي والفيفا بخصوص جاهزيته لاستحقاق المونديال. فلقد تمكنت اللجنة المنظمة من تصدير صورة بلد يمتلك خبرة تراكمية في إدارة الأزمات والفعاليات الكبرى، مما عزز من القوة الناعمة للمملكة كقاطرة لنمو الرياضة في القارة السمراء، وكمنصة موثوقة لربط إفريقيا بأوروبا.
وفي عمق المدن المستضيفة، أحدثت البطولة رجة اقتصادية ملموسة تجاوزت عائدات التذاكر. فمدن مثل طنجة، الدار البيضاء، ومراكش شهدت انتعاشا سياحيا استثنائيا في فترة كانت تصنف عادة ضمن “الموسم المنخفض”، حيث سجلت الفنادق والمطاعم وقطاع الخدمات معدلات ملء قياسية بفضل تدفق عشرات الآلاف من الزوار الأفارقة والأوروبيين.
وكرس هذا الرواج مفهوم “السياحة الرياضية” كرافعة حقيقية للتنمية المحلية، مثبتاً أن الاستثمار في البنية التحتية الرياضية يولد عائداً اقتصادياً مباشراً ومستداماً يلامس النسيج الاجتماعي للمدن.
وتأسيسا على ذلك، نجحت البطولة في تسويق “العلامة المغربية” عبر الشراكة الذكية مع “Morocco Now”، التي حولت الملاعب ومحيطها إلى واجهات لعرض فرص الاستثمار والقدرات الصناعية للمملكة.
وبهذا، تودع نسخة المغرب 2025 المشهد تاركة إرثا ثقيلا من المعايير المرتفعة للنسخ القادمة؛ إذ لم يعد النجاح يُقاس بالحضور الجماهيري والشغف فقط، بل بالقدرة على تحويل الحدث إلى منظومة اقتصادية مربحة، وضبط إيقاع تنظيمي دقيق يضمن أمن وراحة الجميع، مما يضع الكونفدرالية الإفريقية أمام تحدي الحفاظ على هذا السقف العالي من الجودة في المستقبل.

