يكرس اختيار المغرب عضو مؤسس في “مجلس السلام”، خلال حفل التوقيع الذي ترأسه الرئيس الأمريكي في دافوس هذا الاسبوع، اعترافا بعقيدة دبلوماسية مغربية راسخة، جعلت من الانخراط الميداني في عمليات حفظ السلم وفض النزاعات ثابتا مركزيا في سياستها الخارجية منذ فجر الاستقلال.
ولا يقرأ الملاحظون في المنتدى الاقتصادي العالمي هذا الحدث كإجراء بروتوكولي، بل كإقرار دولي بتراكم تاريخي لفاعل إقليمي لم يتردد في نشر “جنود السلام” و”دبلوماسيي الوساطة” في بؤر التوتر الساخنة، ممتدا بتأثيره من العمق الإفريقي والعربي وصولا إلى مسارح عمليات بعيدة في أوروبا وآسيا.
ويستند هذا التقدير الدولي الذي بوأ الرباط مكانة العضو المؤسس إلى سجل عملياتي موثق لدى الأمم المتحدة، حيث تعد المملكة من الدول الأكثر مساهمة وانضباطا في عمليات حفظ السلام الأممية.
وتعود الذاكرة الدولية هنا إلى عام 1960، حين انخرط المغرب، غداة استقلاله، في عملية الأمم المتحدة بالكونغو لحماية وحدة هذا البلد الإفريقي. ومنذ تلك المحطة التأسيسية، سجلت التجريدات العسكرية المغربية حضورا لافتا في الصومال بداية التسعينات لضمان وصول المساعدات، وفي البوسنة والهرسك حيث ساهم الجنود المغاربة في تثبيت الاستقرار وحماية المدنيين عقب تفكك يوغوسلافيا، وصولا إلى المشاركة الوازنة والمستمرة حاليا في جمهوريتي الكونغو الديمقراطية وإفريقيا الوسطى.
ويرى محللون استراتيجيون أن ما يميز المساهمة المغربية، التي دفعت واشنطن إلى إشراك الرباط في صياغة الميثاق التأسيسي لهذا المجلس، هو جمعها الفريد بين الشق الأمني والبعد الإنساني التضامني.
وتبرز في هذا السياق المستشفيات الميدانية العسكرية كأداة فعالة فيما يصطلح عليه بـ”دبلوماسية التضامن”؛ إذ نجح المغرب في إقامة جسور جوية لنشر مستشفيات ميدانية طبية وجراحية في مناطق نزاع وكوارث متعددة، بدءا من كوسوفو في قلب أوروبا، مرورا بمخيم الزعتري في الأردن لغوث اللاجئين السوريين، وجنوب السودان، وصولا إلى بيروت عقب انفجار المرفأ، وغزة التي شهدت نشر مستشفيات مغربية في فترات التصعيد لدعم المنظومة الصحية الفلسطينية.
نموذج رائد في الوساطة السياسية
وعلى مستوى “هندسة السلام” السياسية، يقدم المغرب للمنتظم الدولي نموذج الوسيط الموثوق الذي يفضل العمل الدبلوماسي الهادئ بعيدا عن الأضواء. وتعد الأزمة الليبية المثال الأبرز حاليا على نجاعة هذا النهج؛ ففي خضم تضارب الأجندات الدولية، احتضنت المملكة الفرقاء الليبيين في الصخيرات ثم بوزنيقة وطنجة، موفرة مناخا سليما للتفاوض الليبي-الليبي دون تدخل في المخرجات، ما أفضى إلى اتفاقات سياسية شكلت المرجعية الوحيدة المعترف بها دوليا لسنوات.
ولا يقتصر هذا الدور على الجوار المغاربي، بل يمتد لغرب إفريقيا، حيث لعبت الدبلوماسية الملكية دورا حاسما في نزع فتيل الأزمة بين دول “اتحاد نهر مانو” (غينيا، ليبيريا، وسيراليون) في مطلع الألفية، مساهمة بشكل مباشر في تجنيب المنطقة حربا إقليمية مدمرة.
وفي الشرق الأوسط، يظل المغرب، من خلال رئاسة الملك محمد السادس للجنة القدس، فاعلا أساسيا في معادلة السلام المعقدة. وتتجاوز المقاربة المغربية هنا البيانات السياسية إلى العمل الميداني الملموس عبر “وكالة بيت مال القدس”، التي تنفذ مشاريع سوسيو-اقتصادية تحافظ على الهوية الحضارية للمدينة وتدعم صمود سكانها، بالتوازي مع قنوات دبلوماسية نشطة توظف علاقات الرباط المتميزة مع القوى الدولية الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، للدفع بحل الدولتين كخيار استراتيجي ضامن للاستقرار الإقليمي.
التزام راسخ بمكافحة التطرف والإرهاب
ويشير الخبراء إلى أن عضوية المغرب في هذا المجلس الجديد تأتي أيضا تتويجا لانخراطه الجدي في مكافحة الإرهاب العالمي، ليس فقط عبر المقاربة الأمنية الاستباقية التي فككت عشرات الخلايا، ولكن أيضا عبر ترؤسه المشترك للمنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب لثلاث دورات متتالية.
هذا الموقع المتقدم سمح للمغرب بتصدير خبرته في مجال الأمن الروحي وهيكلة الحقل الديني إلى دول الساحل والصحراء، مما ساهم في تجفيف المنابع الفكرية للتطرف الذي يهدد السلم العالمي.
وبالتالي، فإن جلوس المغرب على طاولة التأسيس في دافوس ليس وليد لحظة سياسية عابرة، بل هو استحقاق لدولة وضعت إمكانياتها العسكرية والدبلوماسية والإنسانية في خدمة الأمن الجماعي لأكثر من ستة عقود، مكرسة بذلك مبدأ دستوريا مغربيا يربط السيادة الوطنية بالانخراط المسؤول والفعال في القضايا الكونية العادلة.

