في تحول لافت في سياسات التعليم العالي، بدأت الصين اعتماد مسار جديد لنيل درجة الدكتوراه في بعض التخصصات الهندسية دون اشتراط تقديم اطروحة مكتوبة تقليدية، وذلك في اطار توجه يهدف الى تعزيز الارتباط بين الجامعات والقطاع الصناعي ودعم الابتكار التطبيقي.
ويتيح النظام الجديد، الذي يستند الى تشريع صدر عام 2024، للباحثين الحصول على درجة الدكتوراه من خلال تطوير منتج صناعي او تقنية قابلة للتطبيق او انجاز مشروع هندسي فعلي، بدلا من الاقتصار على تقديم دراسة نظرية للنشر الاكاديمي.
وجاءت هذه الخطوة بعد سنوات من تصاعد الانتقادات لما يعرف بثقافة النشر الكمي، حيث تصدرت الصين في الاعوام الماضية قائمة الدول من حيث عدد الابحاث العلمية المنشورة. غير ان هذا التفوق العددي رافقته ازمات تتعلق بجودة بعض الدراسات وظهور شبكات لبيع الابحاث الجاهزة، ما دفع السلطات الى مراجعة معايير التقييم الاكاديمي.
وبحسب معطيات جامعية، حصل عدد من المهندسين بالفعل على الدكتوراه عبر المسار التطبيقي الجديد، بعد تقديم ابتكارات شملت تقنيات للبناء المتقدم وانظمة صناعية متخصصة جرى اختبارها في بيئات عمل حقيقية.
وترى الحكومة الصينية ان هذه المقاربة تسهم في سد الفجوة بين التكوين النظري واحتياجات السوق، خصوصا في قطاعات استراتيجية مثل الرقائق الالكترونية والذكاء الاصطناعي والتصنيع عالي الدقة، في ظل منافسة تكنولوجية دولية متزايدة.
ومنذ عام 2022، اطلقت برامج تجريبية في عدد من المجالات الهندسية، بمشاركة عشرات الجامعات ومئات الشركات، كما تم انشاء كليات جديدة متخصصة في الدراسات الهندسية التطبيقية. وتشير بيانات رسمية الى تسجيل الاف الطلبة في المبادرة الجديدة، مع تسجيل براءات اختراع ناتجة عن مشاريع بحثية تطبيقية.
ولضمان الجودة، اعتمدت الجامعات نظام اشراف مزدوج يقوم على متابعة اكاديمية من قبل استاذ جامعي، الى جانب اشراف مهني من خبير صناعي يتولى تقييم جدوى المشروع من الناحية العملية. ويشترط على المرشحين اثبات كفاءة ابتكاراتهم في ظروف تشغيل فعلية قبل منح الدرجة العلمية.
ورغم الترحيب الواسع بالمبادرة، يثير النظام الجديد نقاشا داخل الاوساط الاكاديمية حول معايير تقييم الاعمال التطبيقية مقارنة بالاطروحات النظرية، خاصة في ما يتعلق بقياس القيمة العلمية طويلة المدى للابتكارات.
ويرى مراقبون ان المسار الجديد قد يظل مقتصرا على التخصصات الهندسية والتقنية، بينما ستستمر العلوم الاساسية في الاعتماد على الاطروحة المكتوبة بوصفها ركنا اساسيا في البحث النظري.
ويعكس هذا التوجه مساعي بكين لاعادة صياغة دور الجامعة في خدمة الاقتصاد الوطني، عبر التركيز على الانتاج المعرفي القابل للتحويل الى قيمة صناعية مباشرة، في سياق تنافسي عالمي يتزايد فيه الرهان على التكنولوجيا المتقدمة.

