بين ردهات المحاكم وتقلبات أسواق النفط الدولية، يجد المغرب نفسه اليوم في مواجهة مفارقة حادة؛ بلد يستورد جل حاجياته من الطاقة، لكنه يترك مصفاته الوحيدة للصدأ منذ عقد من الزمن، مما يطرح تساؤلات عميقة حول الكلفة الحقيقية لهذا الغياب ومن يجني ثمار الاعتماد الكلي على الاستيراد.
منذ عام 2016، والتاريخ يتوقف عند أسوار مصفاة “لاسامير” بمدينة المحمدية. بقرار قضائي وضع المنشأة الوحيدة في البلاد تحت مسطرة التصفية، انتقل المغرب من خانة الدول التي تملك قدرة “التكرير” إلى قائمة الدول المستوردة للمنتجات “المكررة” الجاهزة.
لم يكن هذا مجرد تغيير في وصفة الاستيراد، بل كان تحولاً جذرياً في بنية الأمن الطاقي لبلد يجد نفسه اليوم مكشوفاً تماماً أمام رياح التضخم العالمي والاضطرابات الجيوسياسية.
الخسارة الأولى التي سجلها المغرب لم تكن مالية فحسب، بل تمثلت في فقدان “درع التخزين”. فبينما يفرض القانون المغربي توفر احتياطي نفطي يغطي 60 يوماً، تشير تقارير اقتصادية حديثة إلى أن المخزون الفعلي في المتوسط لا يتجاوز 30 يوماً.
وهنا تبرز أهمية “لاسامير”؛ إذ إن سعتها التخزينية التي تقارب مليوني متر مكعب كانت كفيلة برفع الأمان الطاقي للمملكة إلى أكثر من 80 يوماً، مما يمنح الدولة هامش مناورة أوسع في تدبير الأزمات المفاجئة.
ومع غياب المصفاة، تغيرت خارطة “الرابحين” في السوق المحلية. يرى مراقبون أن شركات استيراد وتوزيع المحروقات وجدت نفسها في وضعية مريحة بعد إزاحة خيار “الإنتاج المحلي” من المعادلة.
فقد تحول السوق بالكامل إلى نظام يعتمد على الاستيراد، التخزين، ثم التوزيع، وهي حلقة تمنح الفاعلين الكبار الذين يملكون البنية اللوجستية والقدرة على التخزين مركزية مطلقة في التحكم في العرض والأسعار، بعيداً عن منافسة المنتج الوطني.
المستفيد الآخر، وإن كان خارج الحدود، هو المورد الدولي للمواد المكررة، فالمغرب الذي كان يستورد “الخام” بأسعار أقل ليقوم بتكريره، أصبح اليوم زبوناً صافياً للمواد الجاهزة (بنزين، غازوال، كيروسين)، مما يعني دفع فوارق سعرية إضافية تذهب إلى جيوب المصافي الدولية والموردين، وهي تكاليف يتحملها في نهاية المطاف المستهلك المغربي الذي يجد نفسه الطرف الأكثر هشاشة أمام كل صدمة سعرية في بورصة “روتردام”.
لكن، لماذا لا تُطوى هذه الصفحة؟ الملف لا يزال عالقاً في عنق زجاجة القضاء والسياسة، فرغم الجدل المستمر، تعثرت محاولات التفويت، وكان آخرها عرض إماراتي للاستحواذ اعتبر غير مقبول في صيغته المقدمة.
وفي الأثناء، يظل مسار التحكيم الدولي مع المالك السابق للمصفاة قائماً، مما يزيد من تعقيد المشهد المالي والقانوني للمنشأة التي كانت يوماً ما ركيزة للصناعة المغربية.
إن قضية “لاسامير” اليوم لا تتعلق فقط بإنقاذ شركة متعثرة أو تسوية ديون بنكية، بل تتعلق بنموذج طاقي يواجه امتحاناً عسيراً، ففي منطقة مضطربة وسوق عالمية لا تعترف بالثبات، يبدو غياب مصفاة وطنية بمثابة التخلي عن صمام أمان استراتيجي، مما يترك السيادة الطاقية للبلاد رهينة لقرارات تُتخذ في عواصم بعيدة، ورهينة لشركات استيراد وجدت في “الفراغ الصناعي” فرصة لتعزيز نفوذها التجاري.
وفي الختام، يظل السؤال معلقاً: هل يمكن للمغرب أن يحقق أمنه الطاقي المنشود وهو يفتقر للأدوات التي تتيح له تحويل الخام إلى وقود؟ الأزمة الراهنة تثبت أن السيادة ليست مجرد أرقام في ميزان التجارة، بل هي قدرة الدولة على امتلاك مفاتيح التخزين والتصنيع في زمن لم يعد فيه الاعتماد على الخارج خياراً آمناً.

