كشفت المندوبية السامية للتخطيط في المغرب عن تحولات بنيوية عميقة في تركيبة المجتمع، تميزت بتراجع معدل الخصوبة إلى 1,97 طفل لكل امرأة وتقلص حجم الأسر، وفق نتائج البحث الوطني حول العائلة لسنة 2025.
وأفادت بيانات المندوبية، أن مؤشر الخصوبة نزل للمرة الأولى تحت عتبة تعويض الأجيال (2,1 طفل)، في وقت سجل فيه متوسط حجم الأسرة تراجعاً ليصل إلى 3,9 أفراد في سنة 2024.
وأنجز البحث الميداني لدى عينة تمثيلية شملت 14 ألف أسرة بين ماي ونهاية شتنبر 2025، عبر مقابلات مباشرة مدعومة بالحاسوب اللوحي.
وأظهرت الأرقام ارتفاعاً ملحوظأ في نسبة الأسر المكونة من شخص واحد، حيث انتقلت من 7,2 بالمئة في سنة 2014 إلى 11,1 بالمئة في سنة 2024.
ويعكس هذا المنحى، بحسب التقرير، انتقالاً تدريجياً من النموذج العائلي التقليدي نحو أنماط عيش أكثر فردية، خاصة في الأوساط الحضرية.
وعلى مستوى السلوك الديموغرافي، بلغ متوسط سن الزواج الأول 32,4 سنة لدى الرجال و24,6 سنة لدى النساء.
ورافقت هذا التأخر زيادة في نسبة “العزوبة النهائية” التي وصلت إلى 9,4 بالمئة، بينما بلغت نسبة النساء المطلقات 4,6 بالمئة، ما يؤشر على تغير في مسارات الحياة الزوجية والعيش المشترك داخل المجتمع المغربي.
ورصد البحث اتساع نطاق التغير في الهياكل العائلية، حيث ارتفعت نسبة الأسر التي تعيلها نساء إلى 19,2 بالمئة.
وفي سياق متصل، أكدت المعطيات تسارع شيخوخة السكان، إذ بات الأشخاص البالغون 60 سنة فما فوق يمثلون 13,8 بالمئة من مجموع الساكنة، ما يطرح تحديات جديدة على أنظمة الحماية الاجتماعية والرعاية الصحية.
وتشير القراءة التقنية للنتائج إلى أن الأسرة المغربية تمر بمرحلة مفصلية تتسم بتقلص العدد وزيادة التعقيد في تركيبتها. فالتراجع في معدلات المواليد، المرتبط بتأخر الزواج وتغير الأولويات السوسيو-اقتصادية، أدى إلى هيمنة “الأسرة النووية” المحدودة على حساب الأسر الممتدة التي كانت تميز النسيج الاجتماعي المغربي تقليدياً.
وتضع هذه التحولات السياسات العمومية أمام واقع ديموغرافي يتسم بالتشتت الجغرافي للأسر والتقلص العددي، ما يستدعي مراجعة آليات الدعم الاجتماعي.
واعتبرت المندوبية السامية للتخطيط أن المعطيات المحصلة في 2025 تشكل قاعدة مرجعية لفهم “المغرب الجديد”، حيث تتقاطع العوامل الاقتصادية مع تحولات ثقافية تمنح الأولوية للاستقلال الفردي وجودة العيش على حساب التوسع العائلي.
وخلص التقرير إلى أن استمرار هذه التوجهات سيؤدي إلى تغيير الخريطة الديموغرافية للمملكة بحلول العقد المقبل، مع تزايد الحاجة لابتكار أنظمة تضامن مؤسساتية تعوض التراجع في شبكات الدعم العائلي التقليدية التي كانت تعتمد سابقاً على كثرة الأبناء والارتباط الأسري الوثيق.
وتوثق هذه الأرقام انتقالاً نحو نموذج عائلي أكثر تنوعاً، تضعف فيه الروابط الجماعية لصالح خيارات العيش المنفرد أو الأسر المصغرة.

