الثلاثاء, 21 أبريل 2026
اتصل بنا
لإعلاناتكم
وطن24
  • الرئيسية
  • سياسة
  • مال وأعمال
  • تراث وسياحة
  • المغرب الكبير
  • القضية الفلسطينةالقضية الفلسطينة
  • خارج الحدود
وطن24وطن24
بحث
  • الرئيسية
  • سياسة
  • مال وأعمال
  • تراث وسياحة
  • المغرب الكبير
  • القضية الفلسطينية
  • خارج الحدود
  • أمن روحي
  • بيئة وعلوم
  • اتصل بنا
  • لإعلاناتكم
  • شروط الإستخدام
  • سياسة الخصوصية
جميع الحقوق محفوظة لموقع وطن24 © 2025
آراء

تحوّلات المسؤولية القانونية في عصر القيادة الذاتية: دراسة مقارنة بين القانون الألماني والفرنسي مع امتدادات على القانون المغربي

شارك

الدكتور سفيان مسرار*

مقدمة عامة

لم يعد التحول الرقمي مجرد امتداد تقني طبيعي لمسار التحديث الذي تعرفه المجتمعات المعاصرة، بل غدا لحظة عميقة من لحظات إعادة تشكيل المفاهيم والمؤسسات القانونية ذاتها. ويبرز مجال القيادة الذاتية بوصفه أحد أكثر تجليات هذا التحول كثافةً ودلالة، ذلك أن المركبة لم تعد مجرد أداة ميكانيكية خاضعة على نحو كامل لإرادة السائق، بل أصبحت نظامًا تقنيًا معقدًا، قادرًا على اتخاذ قرارات تشغيلية في الزمن الحقيقي، اعتمادًا على خوارزميات متقدمة ومعطيات بيئية متغيرة. ومن ثم، فإننا لا نكون إزاء تطور تقني محدود الأثر، بل أمام تحوّل يمسّ صميم النظرية القانونية للفعل والمسؤولية.

إن هذا الانتقال من القيادة البشرية إلى القيادة الذاتية يفرض على القانون مواجهة إشكاليات لم تكن مطروحة بهذا العمق من قبل. فحين يكون الضرر ناتجًا عن قرار خوارزمي، يثور التساؤل حول الجهة التي يمكن أن تُسند إليها المسؤولية: هل تبقى المسؤولية مرتبطة بالشخص الذي يستخدم المركبة؟ أم تنتقل إلى المصنع أو مطور النظام؟ أم أننا نحتاج إلى إعادة نظر أوسع في مفهوم الفاعل القانوني ذاته؟ وفي هذا السياق، برزت التجربة الألمانية بوصفها نموذجًا استباقيًا سعى إلى تأطير القيادة الذاتية من المستوى الرابع داخل إطار قانوني مفصل، بينما اتجهت فرنسا إلى اعتماد مقاربة أكثر حذرًا وتدرجًا، تقوم على تكييف القواعد التقليدية بدل القطيعة معها. أما المغرب، فإنه يوجد إلى حدود الساعة في مرحلة ما قبل التقنين المتخصص، وهو ما يجعله في وضع يسمح له، نظريًا على الأقل، بالاستفادة من التجارب المقارنة لبناء نموذج قانوني متوازن وأكثر وعيًا بطبيعة التحول الجاري.

الإطار النظري: أزمة المفاهيم في ظل القيادة الذاتية

إن مقاربة الإشكالات القانونية المرتبطة بالقيادة الذاتية تقتضي، في المقام الأول، الانطلاق من أزمة المفاهيم التي يفرضها هذا التحول. فالقانون المدني التقليدي، سواء في امتداده الفرنسي أو في صيغته الألمانية، تأسس على مركزية الإنسان باعتباره الفاعل القانوني الأصلي، وعلى فكرة الخطأ بوصفه الشرط النموذجي لتحقق المسؤولية. غير أن أنظمة القيادة الذاتية تُحدث قطيعة واضحة مع هذا التصور، لأنها تنقل عملية اتخاذ القرار من الإنسان إلى النظام التقني، أو على الأقل تجعلها موزعة بين الإنسان والآلة في صورة لم يعهدها البناء التقليدي للمسؤولية.

وفي هذا المعنى، يكتسب ما ذهب إليه بعض فقهاء القانون والتقنية أهمية خاصة، حين أكدوا أن البرمجيات لم تعد مجرد أدوات محايدة، بل تحولت إلى بنى تنظيمية تؤثر في السلوك وتعيد تشكيله. وهذا المعطى ينطبق على القيادة الذاتية بصورة جلية، إذ إن الخوارزمية لا تكتفي بتنفيذ أوامر بسيطة، بل تتفاعل مع المحيط، وتُقيّم الاحتمالات، وتنتج في النهاية قرارًا قد تكون له آثار قانونية ومادية بالغة الخطورة. ومن هنا يثور السؤال الجوهري: هل ما تزال مفاهيم المسؤولية التقليدية، كما صيغت تاريخيًا، قادرة على استيعاب أفعال لا تصدر عن إرادة بشرية مباشرة، بل عن أنظمة خوارزمية معقدة؟

القسم الأول: النموذج الألماني – نحو تقنين متقدم للقيادة الذاتية

يُعد النموذج الألماني من أكثر النماذج الأوروبية جرأة في مجال تقنين القيادة الذاتية. فقد اختار المشرّع الألماني مقاربة استباقية، تمثلت في إدخال تنظيم مفصل للمركبات ذات القيادة الذاتية ضمن قانون السير الألماني، في إطار طموح واضح إلى احتلال موقع ريادي على المستوى الدولي. ولم يكن هذا الخيار مجرد تعديل جزئي في نص قائم، بل كان تعبيرًا عن وعي تشريعي بأن التكنولوجيا الجديدة لا يمكن استيعابها بالكامل بالأدوات التقليدية ذاتها.

وقد تم إدراج أحكام القيادة الذاتية سنة 2021، مع الاعتراف بإمكانية تشغيل مركبات من المستوى الرابع دون وجود سائق داخلها، على أن يُشترط وجود ما يُعرف بـ”المشرف التقني”. ويُعد هذا المفهوم من أبرز الابتكارات التي حملها التنظيم الألماني، لأنه يعكس حرص المشرّع على الحفاظ على رابط بشري في عملية اتخاذ القرار، ولو بصورة غير مباشرة. فالقانون الألماني، حتى وهو يمنح النظام الآلي مساحة واسعة من التشغيل، لا يتخلى تمامًا عن فكرة الرقابة الإنسانية، ويبدو هنا وكأنه يحاول الجمع بين مقتضيات الابتكار وحاجات الضبط القانوني والأخلاقي.

وقد جاء هذا التطور في سياق أوسع ارتبط بتكييف القانون الألماني مع أحكام اتفاقية فيينا لحركة المرور، التي عرفت بدورها تعديلات سمحت باستخدام أنظمة القيادة الذاتية شريطة احترام القوانين الوطنية والمعايير التقنية الدولية. غير أن ما يميز التجربة الألمانية حقًا لا يقتصر على الجانب التنظيمي، بل يمتد إلى إدماج البعد الأخلاقي بشكل صريح، خاصة في ما يتصل بالحوادث الحتمية والقرارات المأساوية التي قد تفرض على النظام الاختيار بين أضرار متنافسة.

فالمشرّع الألماني استلهم توصيات لجنة الأخلاقيات لسنة 2017، التي أكدت أنه لا يجوز برمجة الأنظمة على أساس المفاضلة بين الأرواح البشرية. ويستند هذا الموقف إلى خلفية دستورية وفلسفية عميقة، كرّستها اجتهادات المحكمة الدستورية الفيدرالية الألمانية، ولا سيما في تأكيدها على أن كرامة الإنسان قيمة مطلقة لا يمكن أن تكون محل موازنة عددية أو حساب نفعي. ومن ثم، فإن النموذج الألماني لا يكتفي بتنظيم حركة المركبة، بل يحاول أيضًا ترسيم الحدود الأخلاقية لما يمكن للآلة أن تقرره.

أما على مستوى المسؤولية، فقد اعتمد المشرّع الألماني نظامًا يقوم على المسؤولية الموضوعية لحائز المركبة، مع رفع سقف التعويض وإقرار التأمين الإجباري، مع إبقاء إمكانية مساءلة المشرف التقني إذا أخلّ بواجباته. ومع ذلك، يظل الإشكال الأكبر قائمًا في غياب تنظيم واضح داخل هذا القانون لمسؤولية المصنع أو مطور البرمجيات، وهو ما يجعل الباب مفتوحًا أمام اللجوء إلى قواعد المسؤولية عن المنتجات.

القسم الثاني: النموذج الفرنسي – بين استمرارية المنظومة التقليدية ومحاولات التكييف

إذا كان القانون الألماني قد اختار طريق الجرأة التشريعية وإعادة بناء جزء من الإطار القانوني لمواجهة القيادة الذاتية، فإن القانون الفرنسي سلك مسارًا مختلفًا، يقوم على الحذر والتدرج وتفادي القطيعة المفاجئة مع البنية التقليدية للمسؤولية المدنية. ويعكس هذا التوجه عمق التراث القانوني الفرنسي، الذي يمنح أهمية كبيرة لاستقرار المفاهيم، وخصوصًا تلك المتصلة بفكرة الخطأ والحراسة.

بدأت المقاربة الفرنسية مع قانون توجيه التنقلات لسنة 2019، الذي فتح المجال أمام تجارب المركبات ذات القيادة الذاتية ضمن إطار منظم، ثم تلاه عدد من المراسيم التطبيقية، وصولًا إلى الأمر الصادر في 14 أبريل 2021، الذي وضع قواعد أولية تتعلق بمسؤولية هذه المركبات. والملاحظ في هذا المسار أن النصوص الفرنسية لا تتجه إلى إعادة بناء نظرية المسؤولية من أساسها، بل تسعى إلى إدماج القيادة الذاتية ضمن الإطار القائم، مع إدخال تعديلات محدودة تسمح بتكييفه مع المستجدات التقنية.

في هذا السياق، يظل مفهوم “حراسة الشيء” أحد المحاور المركزية في المسؤولية المدنية الفرنسية. فالمادة 1242 من القانون المدني، والاجتهاد القضائي الذي تبلور حولها، خاصة منذ قضية Franck، جعلا من الحراسة مفهومًا مرنًا لا يقتصر على السيطرة المادية فقط، بل يشمل الاستعمال والتوجيه والرقابة. غير أن هذا المفهوم، على الرغم من مرونته، يطرح إشكالًا حقيقيًا في مجال القيادة الذاتية: هل يبقى المستخدم حارسًا لشيء لم يعد يتحكم فعليًا في قراراته؟ أم أن الحراسة ينبغي أن تُعاد صياغتها لتشمل من يتحكم في البنية الخوارزمية ذاتها، أي المصنع أو مطور النظام؟

يُضاف إلى ذلك أن فكرة الخطأ، التي تحتل مكانة مركزية في البناء التقليدي للمسؤولية، تصبح أقل وضوحًا عندما يكون القرار ناتجًا عن نظام ذكي. ومن هنا بدأ التفكير الفرنسي، سواء في الفقه أو في بعض التطورات القضائية والقطاعية، يميل إلى توسيع الاعتماد على منطق المخاطر والالتزام بالسلامة، بدل الاكتفاء بالنموذج الكلاسيكي القائم على الخطأ الشخصي. كما أن التوجه الأوروبي نحو تعزيز مسؤولية المنتج، خاصة فيما يتعلق بالأنظمة الرقمية والبرمجيات، يمنح المقاربة الفرنسية مسارًا إضافيًا للتكييف، لكنه لا يحسم كل الإشكاليات، لاسيما حين لا يكون الضرر ناتجًا عن “عيب” تقني بالمعنى التقليدي، بل عن منطق عمل الخوارزمية نفسها.

وهكذا، وعلى الرغم من التطورات التشريعية والقضائية، يظل النموذج الفرنسي إلى حد كبير أسيرًا لبنية مفاهيمية قد لا تكون كافية لاستيعاب أنظمة تتخذ قراراتها خارج الإرادة البشرية المباشرة، وهو ما يجعل الحذر الفرنسي مصدر قوة من زاوية الاستقرار، لكنه قد يصبح مصدر ضعف من زاوية الملاءمة المستقبلية.

القسم الثالث: مقارنة بين النموذجين الألماني والفرنسي

إن المقارنة بين النموذجين الألماني والفرنسي لا تكشف فقط عن اختلاف في الصياغات القانونية أو التقنيات التشريعية، بل تعكس اختلافًا أعمق في الفلسفة القانونية ذاتها. فنحن لسنا أمام مجرد تكييف قانوني لتقنية جديدة، بل أمام تحول في طبيعة الفعل القانوني، وفي الطريقة التي يفهم بها القانون موضوعه.

اختارت ألمانيا أن تتعامل مع القيادة الذاتية باعتبارها لحظة تستدعي مفاهيم جديدة، مثل المشرف التقني ومجال التشغيل المحدد والحالة ذات الحد الأدنى من المخاطر. وهذه مفاهيم لم تستمد من الترسانة الكلاسيكية للقانون المدني، بل خُلقت لمواجهة واقع جديد. أما فرنسا، فقد آثرت أن تدمج التكنولوجيا داخل القانون القائم، وأن تبحث عن حلولها داخل مفاهيم الحراسة والمسؤولية عن الأشياء والخطأ المفترض. ومن هنا يمكن القول إن ألمانيا بنت قانونًا للواقع القادم، بينما سعت فرنسا إلى تكييف القانون القائم مع واقع يتغير.

ويظهر هذا التباين أيضًا في تصور الفاعل القانوني. ففي النموذج الألماني، تم تفكيك مفهوم السائق واستبداله بعلاقة بين نظام آلي يتخذ القرار ومشرف تقني يتدخل عند الاقتضاء. أما في فرنسا، فلا يزال القانون، ضمنيًا على الأقل، متمسكًا بمركزية الفاعل البشري، حتى حين لا يكون هذا الأخير هو من يقود فعليًا. وهذا ما يخلق توترًا نظريًا واضحًا: كيف يمكن تحميل شخص مسؤولية فعل لم يصدر عنه بالمعنى المباشر؟

وعلى مستوى المسؤولية، تبدو ألمانيا أقرب إلى منطق الخطر، إذ تقوم المسؤولية فيها على أساس موضوعي يتعلق بحائز المركبة وبمن يضع النظام في التداول أو يستفيد منه. بينما يظل النموذج الفرنسي مترددًا بين الخطأ والحراسة وإثبات علاقة السببية، وهو ما يجعله أقل ملاءمة للأنظمة المعقدة التي تتخذ قرارات ذاتية.

كما تبرز مسألة القرار الخوارزمي بوصفها إحدى أكثر النقاط حساسية. فالنموذج الألماني يضع حدودًا صريحة لما يمكن للآلة أن تقرره، خاصة في حالات “معضلة العربة”، ويرفض تحويل الأخلاق إلى خوارزمية. في المقابل، لا يقدم النظام الفرنسي جوابًا صريحًا بنفس الدرجة، بل يترك مساحة واسعة للاجتهاد القضائي ولقواعد عامة لم تُصمم أصلًا لهذا النوع من المعضلات.

أما فيما يخص موقع المصنع والبرمجيات، فإن النموذج الألماني يميز بين مسؤولية السير ومسؤولية المنتج، بينما تميل فرنسا، في تناغم مع التطورات الأوروبية، إلى توسيع مفهوم المنتج ليشمل البرمجيات والتحديثات. غير أن هذا الحل يظل جزئيًا، لأنه يفترض غالبًا وجود عيب، في حين أن الضرر قد يكون نتيجة قرار تقني سليم من الناحية الوظيفية، لكنه إشكالي من الناحية الأخلاقية أو الاجتماعية.

ومن ثم، إذا أردنا تقديم قراءة نقدية عالية المستوى، أمكن القول إن النموذج الألماني يمثل محاولة جريئة لإعادة تأسيس القانون على أسس جديدة، لكنه يظل مرتبطًا بضرورة تدخل بشري تكشف حدود الثقة في الاستقلالية التقنية. أما النموذج الفرنسي، فإنه يحافظ على استقرار المنظومة، لكنه يواجه خطر عدم الملاءمة، لأن أدواته المفاهيمية لم تُصمم لهذا النوع من الفعل.

القسم الرابع: موقع القانون المغربي في مواجهة تحديات القيادة الذاتية

إذا كان النموذجان الألماني والفرنسي يعكسان مسارين مختلفين في التفاعل مع التحول التكنولوجي، فإن وضع القانون المغربي يختلف من حيث البنية والمرحلة. فالمغرب لا يواجه بعد إشكاليات تطبيقية متقدمة في مجال القيادة الذاتية بقدر ما يواجه سؤالًا تأسيسيًا: هل يمتلك منظومته القانونية الحالية من المرونة ما يسمح له باستيعاب هذا التحول إذا فرض نفسه عمليًا؟

قد يبدو “التأخر” المغربي في هذا المجال، للوهلة الأولى، علامة ضعف. غير أنه يمكن، إذا أُحسن استثماره، أن يتحول إلى فرصة تأسيسية، لأن المشرّع المغربي ليس مضطرًا إلى تكرار أخطاء الآخرين، بل يستطيع أن يستفيد من التجارب المقارنة في لحظة ما قبل التشكل الكامل للمنظومة.

فعلى مستوى قانون السير، تقوم مدونة السير المغربية على فرضية السائق البشري المسؤول عن أفعاله، وهي فرضية تتخلل كل مفاهيم الخطأ والحيطة والمراقبة. لكن هذه الفرضية تنهار بمجرد دخول القيادة الذاتية إلى المشهد: من هو السائق حين تقود الخوارزمية؟ ومن يتحمل الخطأ حين لا يكون هناك خطأ بشري مباشر؟ هنا يظهر التوتر البنيوي بين النص والواقع المحتمل.

أما في مجال المسؤولية المدنية، فإن قانون الالتزامات والعقود، بما يتضمنه من قواعد المسؤولية التقصيرية والمسؤولية عن الأشياء، يوفر قدرًا من المرونة، لكنه يواجه حدودًا جوهرية حين يتعلق الأمر بالأنظمة الذكية. فإثبات الخطأ يصبح أكثر صعوبة، والعلاقة السببية تزداد تعقيدًا، والفاعل القانوني نفسه يتفكك إلى سلسلة من المتدخلين: المصنع، مطور البرمجيات، مزود البيانات، والمستخدم.

ويبدو قانون حماية المعطيات الشخصية متقدمًا نسبيًا في السياق المغربي، لكنه لا يكفي وحده لمواجهة منظومات تعتمد على تدفق دائم للبيانات واتخاذ القرار بناء عليها. كما أن القانون المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات يعترف بالفعل الرقمي، لكنه لا يلامس بعد الفعل “الذكي” أو القرارات الصادرة عن أنظمة تشتغل ضمن هامش من الاستقلال التقني.

لهذا، فإن التحدي الحقيقي أمام القانون المغربي لا يكمن في نقص النصوص بقدر ما يكمن في عدم ملاءمتها للفاعل الجديد وغياب رؤية شمولية للمسألة. ومن هنا يمكن القول إن المغرب يوجد أمام ثلاثة احتمالات: إما أن يتبنى منطق الاستمرارية المستلهم من فرنسا، أو منطق التأسيس المستوحى من ألمانيا، أو أن يطوّر نموذجًا هجينًا خاصًا به.

ويبدو الاحتمال الثالث هو الأكثر وجاهة، لأنه يسمح ببناء نموذج مغربي يقوم على مسؤولية موضوعية موسعة، وعلى إدماج مسؤولية المنتج الرقمي، والاعتراف بوظيفة المشرف التقني بصيغة مؤسساتية مرنة، مع تقنين أخلاقي للقرار الخوارزمي، وربط كل ذلك بمفهوم السيادة الرقمية والتحكم في البيانات والبنية التحتية التقنية.

وبذلك، لا يكون القانون المغربي مجرد تابع ينتظر الحلول الجاهزة، بل قد يتحول، إذا اختار الاستباق، إلى مختبر قانوني إقليمي في مجال تنظيم الذكاء الاصطناعي.

القسم الخامس: نحو إعادة تأسيس نظرية المسؤولية في عصر القيادة الذاتية

لقد تشكّلت نظرية المسؤولية، عبر مسار تاريخي طويل، على أساس تصوّر مستقر للفعل الإنساني، يقوم على فاعل بشري واعٍ، وفعل صادر عن إرادة، وعلاقة سببية يمكن إدراكها وتحديدها. غير أن هذه الأركان الثلاثة بدأت تتعرض لتصدّع عميق مع أنظمة القيادة الذاتية، لأن الفاعل لم يعد إنسانًا بالضرورة، والفعل لم يعد تعبيرًا مباشرًا عن إرادة فردية، والسببية لم تعد خطًّا واضحًا يمكن تتبعه، بل غدت موزعة داخل شبكة تقنية معقدة.

وهنا لا يعود السؤال: كيف نطبّق القانون؟ بل يصبح: هل ما تزال أدوات القانون قادرة على فهم الفعل ذاته في صورته الجديدة؟ إن النموذج الكلاسيكي للمسؤولية كان يسأل الشخص لأنه “فعل”، لكن الفعل في عصر القيادة الذاتية لم يعد نقطة البداية، بل صار نتيجة لنظام تقني صُمم ودُرّب وشُغّل داخل بيئة محددة. ومن ثم، يصبح من الضروري الانتقال من مسؤولية الفاعل إلى مسؤولية النظام ومن يتحكم فيه أو يستفيد منه، وهو تحول يعني ضمنًا أن الخطأ لم يعد شرطًا جوهريًا، وأن الخطر أصبح هو الأساس الجديد.

ويُضاف إلى ذلك أن الضرر لم يعد حصيلة سبب واحد، بل نتيجة لتفاعل البرمجيات والبيانات والتحديثات والتفاعلات البيئية. نحن هنا أمام “مخاطر موزعة”، تفرض إعادة تصميم المسؤولية بحيث لا تُركّز في شخص واحد، بل تُوزّع على شبكة من الفاعلين، من المصنع إلى مطور الخوارزمية إلى مزود البيانات إلى المشغّل. إنّها مسؤولية تعكس بنية الفعل التقني نفسه.

ومن أخطر ما أظهرته التجربة الألمانية في هذا السياق، أن الأخلاق لا تُبرمج. ففي حالات مثل “معضلة العربة”، لا يمكن ترتيب قيمة حياة إنسان مقابل آخر، ولا فرض قرار مسبق عام على كل الحالات. فالكرامة الإنسانية لا يمكن أن تُختزل في معادلة. لذلك، فإن أي نظام قانوني مستقبلي لا بد أن يمنع الخوارزميات من اتخاذ قرارات تمييزية، وأن يُبقي على مساحة للتدخل البشري في الحالات القصوى التي تتجاوز قدرة التقنية على التقييم الأخلاقي.

وفي هذا السياق، تبدو المسؤولية الموضوعية المعززة مخرجًا ممكنًا، لأنها تقوم على تحقق الضرر دون الحاجة لإثبات الخطأ، مع إمكانية توزيع العبء بين مختلف الفاعلين بحسب أدوارهم في إنتاج الخطر. وقد بدأت بعض الإصلاحات الأوروبية وبعض الاتجاهات الفقهية الحديثة تشير إلى هذا الأفق بوضوح.

أما المغرب، فإنه يوجد أمام لحظة اختيار حقيقية: إما أن يظل في منطق استيراد الحلول وتأجيل الإصلاح، وإما أن يختار بناء نموذج خاص يجمع بين وضوح النموذج الألماني ومرونة النموذج الفرنسي وخصوصيات السياق الوطني. ويمكن، في هذا الإطار، تصور نموذج مغربي متكامل يعترف بالأنظمة الذكية كفاعلين تقنيين وسطاء، ويُقرّ مسؤولية متعددة المستويات، ويُحدث هيئة تنظيمية متخصصة، ويربط القيادة الذاتية بمبدأ السيادة الرقمية، بما يشمله من تحكم في البيانات وأمن سيبراني واستقلال تكنولوجي.

خاتمة عامة

إن التحول من القيادة البشرية إلى القيادة الذاتية لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تطور تقني في وسائل النقل، بل ينبغي فهمه بوصفه نقطة انعطاف إبستمولوجية في بنية الفعل القانوني ذاته. فالقانون، الذي تأسس تاريخيًا على مركزية الإرادة الإنسانية، يجد نفسه اليوم في مواجهة أنظمة قادرة على اتخاذ القرار ضمن هامش من الاستقلال التقني، وهو ما يفرض إعادة نظر جذرية في مفاهيم المسؤولية والخطأ والسببية.

وقد أظهرت الدراسة المقارنة بين النموذجين الألماني والفرنسي، مع إدماج الحالة المغربية، أن التشريعات الوطنية تتباين بين من اختار التأسيس لنموذج جديد، ومن فضّل استيعاب التحول ضمن الأطر التقليدية، ومن لم يحسم بعد موقعه داخل هذا التحول. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في مجرد اختيار نموذج جاهز، بل في القدرة على بناء نظرية قانونية جديدة تستوعب الفعل الخوارزمي دون التفريط في المبادئ الأساسية، وفي مقدمتها الكرامة الإنسانية.

وفي هذا الأفق، يبدو أن إرساء نظام مسؤولية قائم على المخاطر الموزعة، ومدعوم بمسؤولية موضوعية معززة، مع ضمان تدخل بشري في الحالات التي تتجاوز قدرة الخوارزمية على التقييم الأخلاقي، يشكل أحد أكثر المسارات اتزانًا ووجاهة. ذلك أن مستقبل القيادة الذاتية لن يُحسم في مختبرات الهندسة وحدها، بل سيتحدد أيضًا في فضاء القانون، حيث يُطلب من المشرّع والقاضي والباحث ألا يكتفوا بتنظيم التحول، بل أن يفهموه بعمق، وأن يعيدوا صياغة أدوات القانون بما يضمن توازنًا دقيقًا بين منطق الابتكار ومتطلبات حماية الإنسان.

 *أستاذ التعليم العالي كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة ومدير مختبر الاستشراف والابتكار القانوني والاقتصادي والاجتماعي التابع لجامعة عبد المالك السعدي.

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بدون مجاملة
تجار الأزمات

ليس كل ما يهز العالم ينبغي أن يهز بالضرورة سعر الأضحية في السوق المغربية. فبين الصواريخ المتبادلة في الشرق الأوسط، وبين الأغنام المعروضة في أسواق الشاوية والرحامنة، ليست هناك تلك…

بانوراما

تراث وسياحة

عرض بحري مغربي جديد يراهن على الجالية وجودة الخدمات

17 أبريل 2026
تراث وسياحة

من التزلج إلى التنوع.. أوكيمدن تبحث عن نموذج سياحي مستدام

17 أبريل 2026
غير مصنف

سر حرف G في السيارات يكشف عبقرية هندسية ألمانية

16 أبريل 2026
مغاربة العالم

نصف مليون مهاجر معني بالتسوية في اسبانيا والمغاربة ضمن الاكثر استفادة

15 أبريل 2026

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية لتصلك آخر الأخبار
وطن24
  • سياسة
  • مجتمع
  • الرياضة
  • مال وأعمال
  • خارج الحدود
  • منوعات
  • تراث وسياحة
شروط الإستخدام
سياسة الخصوصية

جميع الحقوق محفوظة لموقع الوطن24 © 2025

وطن24
Username or Email Address
Password

هل نسيت كلمة المرور؟