أبرز تقرير إسباني أن القلق المتنامي في مدريد لم يعد محصورا في الجوانب العسكرية المرتبطة بسبتة ومليلية، بل اتسع ليشمل التحول المينائي واللوجستي الذي يقوده المغرب في الضفة الجنوبية للمضيق، وفي مقدمته الأداء المتسارع لميناء طنجة المتوسط، الذي يرسخ حضوره كمركز إقليمي مؤثر في حركة التجارة البحرية.
وأفاد التقرير، الصادر عن المعهد الإسباني للدراسات الاستراتيجية التابع لوزارة الدفاع، بأن النقاش داخل إسبانيا لم يعد يقتصر على حماية سبتة ومليلية من التهديدات الأمنية والهجينة، بل بات يشمل أيضا التحولات العميقة التي يعرفها المجال المينائي في الضفة الجنوبية، في ظل بروز المغرب كفاعل متقدم في النقل البحري والبنيات التحتية اللوجستية.
ويضع التقرير ميناء طنجة المتوسط في صدارة هذا التحول، مبرزا أنه تمكن خلال العام الماضي من تجاوز ميناءي الجزيرة الخضراء وفالنسيا مجتمعين في حركة الحاويات، في مؤشر اعتبرته قراءات إسبانية دالا على انتقال مركز الثقل البحري تدريجيا نحو الجنوب، وعلى تنامي قدرة المغرب على فرض موقعه كمحور لوجستي إقليمي في غرب المتوسط.
ولا يقف هذا التحول، بحسب المصدر نفسه، عند طنجة المتوسط، بل يمتد إلى مشاريع مينائية أخرى في الناظور والداخلة، ما يعكس، في نظر معدي التقرير، توجها مغربيا طويل الأمد لتوسيع حضوره البحري والتجاري على طول الواجهة المتوسطية والأطلسية، وتعزيز موقعه في سلاسل الإمداد والتجارة الدولية.
وترى بعض الأوساط الإسبانية أن هذه الدينامية لا تمثل فقط نجاحا تنمويا ولوجستيا للمغرب، بل تضع أيضا سبتة ومليلية تحت ضغط اقتصادي متزايد، في ظل ما تعتبره تراجعا في جاذبية المدينتين داخل محيط يشهد إعادة رسم لموازين المبادلات والاستثمارات المرتبطة بالموانئ والبنيات التحتية.
ويشير التقرير إلى أن هذا التحول يفرض على مدريد مراجعة مقاربتها، ليس فقط عبر أدوات الدفاع والأمن، بل أيضا من خلال رد استراتيجي اقتصادي ولوجستي يضمن عدم تراجع الضفة الشمالية للمضيق أمام الزخم الذي تقوده الرباط في قطاع الموانئ. ويشمل ذلك، وفق القراءة نفسها، تطوير الاستثمار والابتكار وتعزيز القدرة التنافسية للبنيات المينائية الإسبانية في المنطقة.
ويأتي هذا الطرح في سياق أوسع داخل إسبانيا يتزايد فيه الاهتمام بما يوصف بتأثير المشاريع المغربية الكبرى على البيئة الجيو اقتصادية للمضيق، خاصة بعد النجاح الذي حققه طنجة المتوسط، والذي حوله إلى أحد أبرز الموانئ في إفريقيا والمتوسط، وأعاد تنشيط النقاش الإسباني حول موقع البلاد في معادلة التنافس البحري مع المغرب.
وتخلص الدراسة إلى أن التحدي الذي تطرحه المشاريع المينائية المغربية لا يقتصر على المنافسة التجارية، بل يمتد إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في المضيق، وهو ما يدفع دوائر إسبانية إلى الدعوة لاستجابة بعيدة المدى تجمع بين الأمن والاقتصاد واللوجستيك في آن واحد.

