داخل مقر قيادة المنطقة الجنوبية بأكادير، لم تكن انطلاقة تمرين “الأسد الإفريقي 2026” مجرد مراسيم عسكرية ببزات مختلفة وأعلام متعددة.
فالدورة الثانية والعشرون من هذا التمرين، الذي ينظمه المغرب والولايات المتحدة إلى غاية 8 ماي، تضع آلاف الجنود أمام سؤال عملي: كيف تتحرك قوات من دول عدة داخل ميدان واحد عندما تختلط الأرض بالجو والبحر والمعلومة والطائرات المسيرة؟
وتنظم القوات المسلحة الملكية والقوات المسلحة الأمريكية هذه المناورات تنفيذا للتعليمات السامية للملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، بمشاركة أزيد من خمسة آلاف عنصر من القوات المسلحة يمثلون نحو أربعين دولة مشاركة وملاحظة، إلى جانب القوات المغربية والأمريكية.
في المغرب، تمتد المناورات بين أكثر من موقع. ولا يتعلق الأمر بنقل التمرين من قاعدة إلى أخرى، بل بتوزيع وحدات ومهام على مجالات مختلفة، بما يفرض على القيادات ضبط الحركة والاتصال والإسناد في وقت واحد.
وتقول المعطيات الأمريكية إن الأنشطة داخل المملكة تشمل حوالي خمسة آلاف مشارك من أكثر من أربعين دولة، إضافة إلى أكثر من ثلاثين شريكا صناعيا أمريكيا، خلال الفترة من 27 أبريل إلى 8 ماي.
وتشمل التدريبات تمارين قيادة ميدانية، ورمايات بالذخيرة الحية، وتدريبات في العمليات الخاصة، وعمليات جوية وبحرية، إلى جانب تمارين مرتبطة بالتهديدات الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية والمتفجرات، وأنشطة دعم إنساني ومدني. ولا تقدم هذه اللائحة صورة تقنية فقط، بل تكشف اتساع مفهوم المناورة العسكرية نفسها.
فالجندي الذي يتحرك اليوم في تمرين مشترك لا ينتظر أمرا صوتيا فقط، ولا يعتمد على خريطة ورقية فقط. خلفه شبكة اتصال، ونظام تتبع، واستطلاع جوي، وقدرة على قراءة صورة ميدانية تتغير بسرعة. لذلك يصبح الخطأ في قناة اتصال أو في تبادل معلومة ميدانية خطأ عملياتيا لا تفصيلا إداريا.
وتشير قيادة الجيش الأمريكي في أوروبا وإفريقيا إلى أن “الأسد الإفريقي” هو أكبر تمرين سنوي مشترك تقوده القيادة الأمريكية في إفريقيا، ويركز على العمليات المشتركة متعددة المجالات، والاستجابة للأزمات، وقابلية العمل بين قوات متعددة الجنسيات.
وتقام نسخة 2026 في المغرب وغانا والسنغال وتونس، بمشاركة إجمالية تفوق خمسة آلاف و600 عسكري ومدني من أكثر من أربعين دولة.
هذا الامتداد خارج المغرب لا ينقص من مركزية النسخة المغربية، بل يوضح طبيعة التمرين.
فالمناورات لم تعد حدثا محليا كبيرا بمشاركة أجنبية، بل جزءا من شبكة تدريب أوسع، تتوزع بين دول إفريقية وتربط وحدات من مدارس عسكرية مختلفة داخل برنامج واحد.
وتظهر في هذه الدورة عناصر لم تكن في قلب المناورات التقليدية: أنظمة غير مأهولة، قدرات قيادة وتحكم، تتبع للقوات المنتشرة في بيئات متفرقة، وتجارب على أدوات مرتبطة بالحرب المقبلة.
ويقول الجيش الأمريكي إن التمرين يختبر قدرة القوات الأمريكية والشريكة على الانتشار السريع والعمل تحت تهديدات متعددة المجالات.
بالنسبة للقوات المسلحة الملكية، لا يوفر التمرين مجرد احتكاك مع جيش حليف. إنه يضع وحداتها داخل عملية واسعة تتطلب استقبال قوات، نقل معدات، توزيع مجالات تدريب، تأمين مواقع، وتنسيق مستويات قيادة مختلفة. وهذه كلها عناصر لا تظهر في الصورة الرسمية للتمرين، لكنها تصنع قيمته الفعلية.
كما أن حجم المشاركة يمنح المناورة وظيفة أخرى: تعويد الجيوش على العمل قبل الأزمة، لا أثناءها. فالقوات التي تتدرب معا تعرف مسبقا كيف تصوغ الأمر، وكيف تطلب الإسناد، وكيف تتقاسم المجال، وكيف تتجنب سوء الفهم في لحظة ضغط.
ومن هنا يأتي ثقل “الأسد الإفريقي 2026”. ليس لأنه أكبر مناورات في القارة فقط، بل لأنه يجرب، على أرض مغربية، الشكل الجديد للعمل العسكري المشترك: قوات كثيرة، مساحات واسعة، تهديدات مركبة، ومعلومة تتحرك بالسرعة نفسها التي يتحرك بها السلاح.

