تواجه جبهة “البوليساريو” احتمال فقدان إحدى أبرز منصاتها الدبلوماسية النشطة في أمريكا اللاتينية، إثر تصدر مرشح يميني معارض لسياسات الرئيس المنتهية ولايته غوستافو بيترو، نتائج الدور الأول من الانتخابات الرئاسية الكولومبية التي سيُحسم دورها الثاني في 21 يونيو الجاري.
ويتنافس في الدور الثاني المحامي ورجل الأعمال اليميني أبيلاردو دي لا إسبرييا، الذي تصدر النتائج بحصوله على نحو 44 في المائة من الأصوات، مع السيناتور اليساري إيفان سيبيدا الذي نال أقل من 41 في المائة.
ويأتي هذا الاقتراع ليعيد تشكيل المشهد السياسي الكولومبي بين تيار يميني صاعد، ويسار يسعى للدفاع عن الإرث السياسي للرئيس بيترو.
وتتجاوز رهانات هذا الاستحقاق مسألة انتقال السلطة في بوغوتا لتشمل مسار النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.
فقد شكلت كولومبيا، منذ عودة بيترو إلى الرئاسة عام 2022، استثناءً إقليميا كإحدى الدول القليلة التي حافظت على حضور رسمي نشط للكيان الانفصالي، في وقت توالت فيه قرارات دول أمريكا اللاتينية بتجميد أو تعليق الاعتراف.
وكانت الخارجية الكولومبية قد أعلنت في 10 غشت 2022، بعد أيام قليلة من تنصيب بيترو، إعادة تفعيل البلاغ المشترك الموقع في 27 فبراير 1985 مع ما يسمى بـ”الجمهورية الصحراوية”.
ولم تقتصر بوغوتا على الدعم الرمزي، بل عقد مسؤولو خارجيتها في فبراير 2026 اجتماعا مع ممثل البوليساريو لتعزيز التعاون الأكاديمي والدبلوماسي، والتحضير لمنتدى أمريكا اللاتينية والكاريبي وإفريقيا.
وأعقب ذلك لقاء ثانٍ في أبريل 2026 ركز على التنسيق داخل الفضاءات متعددة الأطراف، لاسيما مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان.
وتستمد الحالة الكولومبية أهميتها من عضوية بوغوتا غير الدائمة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، للفترة الممتدة من فاتح يناير 2026 إلى 31 دجنبر 2027.
ويمنح هذا الموقع موقفها الدبلوماسي وزناً إضافياً، تزامناً مع ميل المجلس نحو اعتماد مبادرة الحكم الذاتي المغربية كأرضية مركزية لأي تسوية سياسية.
ويتزامن الدور الثاني للانتخابات الكولومبية مع تراجع ملحوظ في التواجد الدبلوماسي للبوليساريو بأمريكا اللاتينية. فقد علقت بنما علاقاتها مع الكيان الانفصالي في نونبر 2024 موطدة تقاربها مع الرباط، وهو المسار الذي اتبعته بوليفيا في فبراير 2026 بربط قرارها بدعم حل سياسي واقعي تحت رعاية الأمم المتحدة، متبوعة بهندوراس التي اتخذت قراراً مماثلا بتعليق الاعتراف في أبريل 2026.
في المقابل، بات هذا الدعم يقتصر أساسا على دول المحور البوليفاري واليسار الراديكالي مثل كوبا ونيكاراغوا وفنزويلا، إلى جانب دول أخرى لا زالت ضمن لوائح الاعتراف.
ويفتح فوز المرشح اليميني دي لا إسبرييا الباب أمام مراجعة شاملة لسياسة كولومبيا الخارجية. ورغم غياب تعهدات تفصيلية معلنة بشأن ملف الصحراء المغربية، إلا أن اصطفافه المحافظ المعارض لتوجهات بيترو، يضع استمرار خط 2022 الداعم للبوليساريو موضع شك في حال وصوله إلى الرئاسة.
في المقابل، يُرجح أن يؤدي فوز المرشح اليساري سيبيدا إلى الحفاظ على الدعم النشط للبوليساريو، أو منع التراجع السريع عن الموقف المثبت قبل أربع سنوات، مما يضمن استمرار حضور الجبهة في هذه القناة اللاتينية المؤثرة حتى نهاية عضوية كولومبيا في مجلس الأمن.
ووفقا للمعطيات الراهنة، تواجه جبهة البوليساريو خيارات ضيقة أيا كانت نتيجة اقتراع 21 يونيو؛ إذ تمثل خسارة كولومبيا فقداناً لمنصة قادرة على منح خطابها صدى داخل المؤسسات الأممية، بينما لن يوقف الاحتفاظ بها مسار الانحسار الإقليمي العام الذي طبع السنوات الأخيرة بمراجعة دول متزايدة لاعترافاتها القديمة.
ويأتي ذلك في ظل تحولات أممية توجت بصدور قرار مجلس الأمن رقم 2797 في أكتوبر 2025، الذي دعا إلى مفاوضات على أساس مبادرة الحكم الذاتي المغربية. وهو القرار الذي اعتبرته الرباط محطة جديدة في مسار تثبيت سيادتها، فيما تواصل الجزائر والبوليساريو رفضه والتمسك بطرح الاستفتاء رغم تراجع زخمه الدولي.


