تجد مدن شمال إفريقيا نفسها أمام حاجة متزايدة إلى مراجعة سياسات التعمير وتدبير الموارد المائية، تحت ضغط موجات حر متتالية تضغط على البنيات الحضرية والسواحل والصحة العامة، في وقت يوافق تخليد اليوم العالمي لمواجهة الحر.
ويأتي هذا النقاش في ظل تحذيرات دولية متصاعدة من استمرار درجات الحرارة عند مستويات قياسية. فقد أعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية سنة 2024 الأحر على الإطلاق، بمتوسط زيادة بلغ نحو 1,55 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية.
وتتوقع المنظمة، في تحديثها المناخي الأخير، أن يكون هناك احتمال بنسبة 91 في المئة لتجاوز عتبة 1,5 درجة مئوية في سنة واحدة على الأقل بين 2026 و2030، مع احتمال بنسبة 75 في المئة أن يتجاوز متوسط السنوات الخمس المقبلة العتبة نفسها.
وتبدو حدة هذه التغيرات أكبر في حوض البحر الأبيض المتوسط، الذي يسجل معدل احترار يفوق المتوسط العالمي بنحو 20 في المئة، وفق خلاصات علمية متوسطية، مما يضاعف الضغط على الموارد المائية والزراعة والصحة العامة والمناطق الساحلية.
وعزا الخبير في البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية، أحمد الطلحي، هذا المنحى إلى تداخل “احترار طبيعي مرتبط بظواهر مناخية مثل النينيو، واحترار بشري مرتبط أساسا بانبعاثات الغازات الدفيئة”.
وأوضح الطلحي، في في تصريحات صحفية، أن التداعيات لا تقتصر على الارتفاع اليومي للحرارة، بل تشمل “ذوبان الجليد، وارتفاع مستوى سطح البحر، وتضرر السواحل، وفقدان أجزاء من التنوع البيولوجي”.
ويفرض هذا الوضع تحديات مضاعفة على دول مثل المغرب وتونس وليبيا ومصر والجزائر، حيث تتركز كثافة سكانية وأنشطة صناعية وسياحية واسعة على الأشرطة الساحلية، في وقت تتزايد الحاجة إلى ملاءمة التوسع العمراني مع متطلبات الظل والتهوية وحماية الماء.
وعلى مستوى الإجهاد المائي، نبه الطلحي إلى أن الإشكال لا يرتبط بندرة المياه وحدها، بل باضطراب دورة التساقطات وتوزيعها. وقال إن مناطق قد تواجه “شحا وجفافا طويلا”، مقابل تعرض مناطق أخرى لـ“فيضانات مفاجئة وأمطار طوفانية”.
وتجسد الأحداث المناخية الأخيرة هذا التحول، مع تعاقب فترات الجفاف الطويلة والفيضانات العنيفة، من كارثة مدينة درنة في ليبيا سنة 2023 إلى الفيضانات التي سجلتها أقاليم مغربية خلال المواسم الأخيرة.
وعلى الصعيد الحضري، سجل الطلحي افتقاد أجزاء واسعة من المدن الحديثة لما سماه “المناعة المناخية”، أي قدرة المدينة على استيعاب الحر الشديد والفيضانات والجفاف وباقي الظواهر المناخية المتطرفة.
وتبرز هذه الهشاشة، بحسب الخبير ذاته، في الأحياء المفتقرة إلى التشجير والمساحات الخضراء والتهوية الطبيعية، خصوصا مع امتداد فصل الصيف وارتفاع الطلب على وسائل التبريد.
وشدد الطلحي على أن مواجهة الحر لا يمكن أن تتم عبر المكيفات وحدها، لأن الاعتماد المكثف عليها يرفع استهلاك الطاقة، وقد يفاقم جزءا من أسباب الاحترار إذا ارتبط بمصادر أحفورية. وقال إن المدن تحتاج إلى “تشجير، وأحزمة خضراء، وبناء متكيف مع الجو الخارجي”.
ويستدعي ذلك، وفق هذا التصور، مراجعة معايير التخطيط الحضري، من إعادة توزيع المساحات الخضراء داخل المدن وحولها، إلى اختيار مواد البناء، وتصميم الشوارع، وربط التعمير بالحاجات المناخية بدل حصره في الوظيفة العقارية.
ودعا الطلحي إلى استلهام بعض حلول العمارة الإسلامية، موضحا أن “الأزقة الضيقة، والظل، وسماكة الجدران، والتهوية الطبيعية، أدت وظيفة تلطيفية قبل الاعتماد الكامل على الطاقة”.
وتكتسب هذه الفكرة راهنيتها في مدن مغربية ومتوسطية حافظت، في أحيائها القديمة، على نماذج عمرانية تقوم على تقليص التعرض المباشر للشمس، وتوفير الظل، واستعمال مواد أكثر ملاءمة مع الحرارة، في مقابل توسع حديث يغلب عليه الإسمنت والزجاج والشوارع المكشوفة.
وبموازاة ذلك، يصنف الإجهاد الحراري كأزمة صحة عامة. وتقدر منظمة الصحة العالمية الوفيات المرتبطة بالحرارة بنحو 489 ألف وفاة سنويا بين 2000 و2019، مع تعرض المسنين والعمال في الفضاءات المفتوحة وسكان الأحياء الهشة لمخاطر أكبر.
وحذر الطلحي من أن الخسائر الطبيعية “لا تسترجع بسهولة”، مشيرا إلى أنه في حال غمرت المياه أجزاء من الساحل أو انقرضت أنواع نباتية وحيوانية، فإن “الأمر لا يشبه خسارة يمكن تعويضها تقنيا بسرعة”.
ومن طنجة إلى طرابلس، ومن الدار البيضاء إلى الإسكندرية، لا يطرح الحر سؤال درجات الحرارة وحدها، بل يعيد فتح ملف المدينة نفسها: كيف تبنى، وكيف تتحرك، وكيف توفر الظل، وتحمي الماء والسواحل والسكان في مناخ أكثر قسوة.


