وطن 24 من الرباط
يتجه نحو المغرب نحو 40 ألف طن من الغازوال الروسي، في واحدة من أولى الشحنات التي غادرت روسيا عقب استئناف صادراتها من الوقود بموجب اتفاق مع الولايات المتحدة، في تطور يأتي بعد أشهر من اضطراب الإمدادات الروسية وارتفاع أسعار المشتقات النفطية في الأسواق الدولية.
وأفادت وكالة رويترز، الخميس، نقلا عن بيانات مجموعة بورصة لندن (LSEG)، بأن ناقلة محملة بالغازوال منخفض الكبريت غادرت ميناء بريمورسك الروسي المطل على بحر البلطيق، بعد تحميل شحنتها في 13 أكتوبر الجاري، متجهة نحو المغرب، دون أن تكشف البيانات عن الميناء المغربي المقرر وصولها إليه أو الشركة المستوردة.
ويعيد استئناف الشحنات الروسية إلى الواجهة موقع المغرب في تجارة المشتقات النفطية مع موسكو، بعدما أصبح الغازوال الروسي أحد المصادر الرئيسية لتزويد السوق المغربية بالوقود خلال السنوات الأخيرة، في ظل اعتماد المملكة على الاستيراد لتغطية احتياجاتها من المنتجات البترولية المكررة.
وتظهر بيانات شركة “فورتكسا” المتخصصة في تتبع حركة ناقلات النفط، والتي نشرتها مؤسسة “أوبيس” التابعة لمجموعة داو جونز في يوليوز الماضي، أن روسيا تصدرت قائمة موردي المغرب من الغازوال خلال النصف الأول من السنة الجارية، بعدما بلغت شحناتها إلى المملكة نحو 1.35 مليون طن، من أصل واردات مغربية إجمالية قدرها 4.34 ملايين طن.
وتعني هذه الأرقام أن الإمدادات الروسية شكلت نحو 31 في المائة من إجمالي واردات المغرب من الغازوال والمنتجات المماثلة خلال الأشهر الستة الأولى من 2026، مقابل نحو 650 ألف طن قدمت من إسبانيا، التي تعد بدورها أحد الموردين الرئيسيين للسوق المغربية.
وجاء هذا التطور في العلاقات التجارية بين البلدين بعدما أعادت الحرب الروسية الأوكرانية والعقوبات الغربية المفروضة على موسكو توزيع مسارات تجارة النفط والمنتجات المكررة، إذ اتجهت كميات متزايدة من الوقود الروسي نحو أسواق خارج الاتحاد الأوروبي، الذي حظر استيراد المنتجات النفطية الروسية اعتبارا من فبراير 2023.
غير أن اعتماد عدد من الأسواق على الإمدادات الروسية واجه اختبارا خلال الصيف الماضي، بعدما اضطرت موسكو إلى تقييد صادرات الغازوال إثر الهجمات الأوكرانية على مصافيها النفطية، وما نجم عنها من تراجع الإنتاج وضغوط على إمدادات الوقود داخل البلاد.
وكانت مؤسسة “أوبيس” قد حذرت، في تقرير نشرته يوم 26 غشت الماضي، من تداعيات القيود الروسية على سوق الغازوال في حوض البحر الأبيض المتوسط، مشيرة إلى أن المغرب وتركيا ودولا أخرى بالمنطقة كانت تستورد كميات كبيرة من الوقود الروسي بأسعار تفضيلية قبل اضطراب الإمدادات.
وذكرت المؤسسة أن تراجع الشحنات الروسية دفع المستوردين في المنطقة إلى البحث عن موردين بديلين، خصوصا من الولايات المتحدة والهند، في وقت ارتفعت فيه تكاليف الحصول على الغازوال بسبب محدودية المعروض واضطراب حركة التجارة النفطية الناتج عن الحرب في الشرق الأوسط.
وجاءت عودة الصادرات الروسية بعدما توصل الرئيسان الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين إلى تفاهم بشأن زيادة إمدادات الغازوال للأسواق الدولية، بهدف مواجهة ارتفاع أسعار الوقود، وهو الاتفاق الذي أعقبته إجراءات أمريكية لتخفيف العقوبات المفروضة على تجارة الغازوال الروسي، وقرار من موسكو برفع الحظر على صادراته بصورة جزئية اعتبارا من 10 أكتوبر الجاري.
وأكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، الخميس، أن شحنات الغازوال الروسي بدأت بالفعل الوصول إلى الأسواق الدولية، معتبرا أن عودة الإمدادات ستساعد على استقرار أسواق النفط، وإن كانت الكميات المطروحة غير كافية لتحقيق استقرار كامل للأسعار.
وكان نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك قد أعلن أن بلاده تتوقع زيادة صادرات الغازوال تدريجيا، لتصل إلى ما بين 3 ملايين و3.5 ملايين طن شهريا بحلول نهاية السنة الجارية، وهو المستوى الذي اعتادت روسيا تصديره قبل الاضطرابات الأخيرة.
ومن جانبه، أعلن ترامب أن روسيا ستوفر بصورة فورية أكثر من 300 ألف طن من الغازوال للأسواق الأمريكية والدولية، على أن تتبعها 500 ألف طن إضافية خلال نونبر المقبل، ثم مليون طن أخرى في مرحلة لاحقة.
وتسعى الإدارة الأمريكية من خلال الاتفاق إلى الحد من ارتفاع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، خاصة الغازوال الذي تعتمد عليه قطاعات النقل والفلاحة، قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في 3 نونبر المقبل.
لكن حجم الإمدادات المتفق عليها أثار تساؤلات بشأن قدرتها على تغيير اتجاه الأسعار في الأسواق العالمية، إذ تعادل الكمية الأولى التي أعلنها ترامب، والمقدرة بنحو 2.25 مليون برميل، أقل من استهلاك يوم واحد لقطاع النقل الأمريكي، الذي يبلغ نحو 2.94 مليون برميل يوميا، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
وبالنسبة للمغرب، تأتي عودة الشحنات الروسية في وقت تتأثر فيه السوق المحلية بارتفاع أسعار المشتقات النفطية المستوردة، وسط استمرار الضغوط على تكاليف النقل والإنتاج نتيجة صعود أسعار الطاقة في الأسواق الدولية.
وكان مجلس المنافسة المغربي قد رصد، في دراسة تناولت تطور أسعار المحروقات خلال النصف الأول من مارس الماضي، ارتفاع الأسعار الدولية للغازوال بما يعادل 2.92 درهم للتر، مقابل زيادة بلغت 2.03 دراهم للتر في أسعار البيع بمحطات الوقود المغربية.
وأوضح المجلس أن انتقال تقلبات الأسعار الدولية إلى السوق المغربية يرتبط بآليات اقتناء الوقود وتسعيره، مشيرا إلى أن الشركات المستوردة تعتمد بصورة رئيسية على عقود ترتبط بأسعار المنتجات النفطية المكررة في أسواق شمال غرب أوروبا.
كما أشار إلى استمرار اعتماد شركات توزيع المحروقات في المغرب على مراجعة الأسعار مرتين شهريا، في فاتح و16 من كل شهر، وهي ممارسة ورثها القطاع عن مرحلة تنظيم الأسعار قبل تحريرها، وتستند إلى متوسط الأسعار الدولية المسجلة خلال الفترة السابقة.
وفي ضوء هذه الآليات، لا يرتبط أثر استئناف الصادرات الروسية على أسعار الغازوال في المغرب بوصول الشحنات وحده، وإنما بتطور أسعار اقتناء الوقود في الأسواق الدولية وشروط التوريد وتكاليف النقل، فضلا عن كيفية انتقال هذه التكاليف إلى أسعار البيع المحلية.
وتأتي هذه التطورات بينما تواصل أسواق الطاقة مواجهة اضطرابات متزامنة، ناجمة عن تراجع صادرات بعض المنتجين في الشرق الأوسط، والأضرار التي أصابت منشآت التكرير الروسية، وارتفاع تكاليف الشحن البحري والتأمين.
وفي هذا السياق، أعلنت وكالة الطاقة الدولية، الخميس، أن الدول الأعضاء تعتزم تسريع طرح كميات إضافية من احتياطيات النفط الطارئة في الأسواق، بينها أكثر من 20 مليون برميل من الغازوال، ضمن تحركات دولية ترمي إلى تخفيف الضغوط على الإمدادات والأسعار.
وعلى الصعيد السياسي، أثار الاتفاق الأمريكي الروسي انتقادات من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ومسؤولين أوروبيين وأعضاء في الحزبين الجمهوري والديمقراطي بالولايات المتحدة، اعتبروا أن تخفيف القيود على صادرات الوقود الروسي سيوفر لموسكو عائدات إضافية في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا.
ورفضت موسكو هذه الانتقادات، معتبرة أن الدول الأوروبية التي تعارض الاتفاق لا تزال تستورد بعض المنتجات النفطية والغاز الطبيعي المسال من روسيا.
وبينما بدأت موسكو تنفيذ قرار استئناف الصادرات، تكشف البيانات الملاحية عن عودة حركة الشحن باتجاه المغرب، أحد أبرز مستوردي الغازوال الروسي في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
ولم تتضح بعد الكميات الإضافية التي تعتزم روسيا توجيهها إلى المملكة خلال الفترة المقبلة، كما لم تعلن الجهات المعنية في المغرب تفاصيل بشأن الشحنة الجديدة أو شروط اقتنائها، في حين ستظل حركة الواردات وأسعارها مرتبطة بقدرة المصافي الروسية على استعادة إنتاجها واستقرار الإمدادات الدولية.

