حذر تحليل صادر عن معهد إلكانو الملكي الإسباني للدراسات الاستراتيجية من احتمال تراجع قدرة إسبانيا على التأثير في السياسة الأمريكية تجاه شمال إفريقيا، في ظل تنامي الوزن الدبلوماسي والعسكري والاقتصادي للمغرب لدى واشنطن، وتحول العلاقات بين البلدين من شراكة أمنية تقليدية إلى تعاون استراتيجي يشمل الطاقة والتكنولوجيا وسلاسل التوريد والنفوذ في إفريقيا.
وأوضح التحليل، الذي أعدته الباحثة كارلوتا غارسيا إنثينا ومدير المعهد تشارلز باول، أن المغرب بات يحتل موقعاً متقدماً في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية، مستفيداً من قدرته على الربط بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي ومنطقة الساحل وإفريقيا والشرق الأوسط.
وتناولت الصحافة الإسبانية، الثلاثاء، نتائج الدراسة التي صدرت في الرابع من شتنبر الماضي، مشيرة إلى أن التقارب المتزايد بين الرباط وواشنطن يفرض على مدريد مراجعة أدوات حضورها الدبلوماسي والأمني لدى الإدارة الأمريكية.
وبحسب الباحثين، لم تعد أهمية المغرب بالنسبة للولايات المتحدة تقتصر على التعاون العسكري ومكافحة الإرهاب، بل أصبحت تشمل مصالح اقتصادية وجيوسياسية مرتبطة بإعادة تنظيم سلاسل التوريد العالمية، وتنويع مصادر المعادن الاستراتيجية، وتطوير الطاقات المتجددة والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية.
واعتبر التحليل أن اتفاقية التبادل الحر بين البلدين، الموقعة سنة 2004 والتي دخلت حيز التنفيذ سنة 2006، ساهمت في إرساء قاعدة اقتصادية للشراكة، قبل أن يتوسع التعاون خلال السنوات اللاحقة ليشمل مجالات الأمن الإقليمي والاستثمار والتكنولوجيا.
وسجلت الدراسة أن التحول الأبرز في العلاقات المغربية الأمريكية وقع في دجنبر 2020، عندما أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء، بالتزامن مع استئناف العلاقات بين المغرب وإسرائيل.
ووفق القراءة الإسبانية، أصبحت قضية الصحراء محوراً سياسياً أساسياً في الشراكة بين الرباط وواشنطن، خصوصاً مع استمرار الدعم الأمريكي لمقترح الحكم الذاتي المغربي بوصفه إطاراً لتسوية النزاع.
ويرى الباحثان أن المغرب يسعى إلى تحويل هذا الموقف السياسي إلى مكاسب دبلوماسية واقتصادية، عبر تشجيع الاستثمارات الأمريكية وتوسيع التعاون الاستراتيجي، في وقت لا يزال فيه النزاع حول الصحراء مطروحاً على المستوى الدولي.
وتوقفت الدراسة عند تطور التعاون الثلاثي بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل، خاصة في مجالات الدفاع والاستخبارات والطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الجوي والتكنولوجيا العسكرية.
واعتبر الباحثان أن هذا التعاون يضيف عناصر جديدة إلى التوازنات الاستراتيجية في غرب البحر الأبيض المتوسط، من دون أن يعني بالضرورة تراجع مكانة إسبانيا العسكرية أو الدبلوماسية لدى واشنطن.
وفي هذا السياق، أكد التحليل أن الخطر الرئيسي بالنسبة لمدريد لا يتمثل في أن يحل المغرب محلها شريكاً للولايات المتحدة، وإنما في تقلص قدرتها تدريجياً على التأثير في القرارات الأمريكية المتعلقة بشمال إفريقيا.
وأشار إلى أن إسبانيا لا تزال تمتلك أوراقاً استراتيجية مهمة، في مقدمتها عضويتها في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وموقعها الجغرافي عند مدخل البحر الأبيض المتوسط، فضلاً عن القاعدتين العسكريتين في روتا ومورون اللتين تؤديان دوراً في الانتشار العسكري الأمريكي.
وفي المقابل، يوفر المغرب لواشنطن شراكة أمنية في شمال إفريقيا، وقنوات تواصل مع دول الساحل والخليج وإسرائيل، إلى جانب موقعه الجغرافي وقدرته على المساهمة في مشاريع الربط الاقتصادي والطاقي بين إفريقيا وأوروبا.
ودعا الباحثان مدريد إلى تقوية حضورها السياسي لدى الإدارة الأمريكية، وتطوير خبراتها بشأن المغرب ومنطقة الساحل، بدلاً من التعامل مع توسع النفوذ المغربي باعتباره منافسة مباشرة تستوجب المواجهة.
كما تناول التحليل الانعكاسات المحتملة لهذه التحولات على الملفات الحساسة بين الرباط ومدريد، بما فيها الصحراء والهجرة والأمن البحري وسبتة ومليلية.
وفي هذا الصدد، شدد على أن الدعم الأمريكي للموقف المغربي بشأن الصحراء لا يعني تغير السياسة الرسمية لواشنطن تجاه سبتة ومليلية، رغم صدور مواقف وتصريحات عن بعض الشخصيات الأمريكية بشأن المدينتين.
وامتدت قراءة المعهد إلى العلاقات بين المغرب والجزائر، حيث اعتبر أن تزايد التعاون المغربي الأمريكي والإسرائيلي يضيف عناصر جديدة إلى الحسابات الأمنية الإقليمية، بينما تواصل إسبانيا محاولة المحافظة على علاقاتها مع البلدين لأسباب تتعلق بالطاقة والتجارة والأمن.
وخلص التحليل إلى أن المغرب أصبح يمتلك شبكة أوسع من الشراكات الدولية ومجالاً أكبر للحركة الدبلوماسية خارج محيطه المغاربي، وهو ما يستدعي، من وجهة نظر الباحثين، أن تعيد إسبانيا تحديد موقعها في العلاقة الثلاثية التي تجمع مدريد والرباط وواشنطن.
واعتبر أن مستقبل النفوذ الإسباني في شمال إفريقيا لن يتحدد حصراً بحجم التقارب المغربي الأمريكي، بل كذلك بقدرة مدريد على توظيف علاقاتها الأوروبية والأطلسية وموقعها العسكري والدبلوماسي للحفاظ على دورها في المنطقة.

