أثار الخبير الاقتصادي والسياسي الإسباني جوردي إشبيلية جدلاً جديداً بشأن موقع إسبانيا في التوازنات الجيوسياسية المتغيرة، معتبراً أن التوترات الأخيرة مع المغرب حول مدينة سبتة كشفت عن مواطن ضعف متزايدة في السياسة الخارجية الإسبانية، في وقت تواجه فيه أوروبا تراجعاً في قدرتها على التأثير في الأزمات الدولية.
وفي مقال تحليلي نشرته صحيفة «سينكو دياس» (Cinco Días) الاقتصادية الإسبانية، الاثنين، تحت عنوان «هل هناك أحد آخر؟»، اعتبر إشبيلية أن التطورات التي شهدتها العلاقات المغربية الإسبانية لا يمكن فصلها عن التحولات الأوسع التي يعرفها النظام الدولي، خصوصاً مع تراجع النفوذ الأوروبي وتنامي المنافسة بين القوى الكبرى.
ورأى الكاتب أن الأزمة التي شهدتها سبتة خلال يوليو الماضي، وما رافقها من تدفقات بشرية كبيرة وتوترات بحرية، أظهرت محدودية قدرة مدريد على التعامل مع الضغوط الجيوسياسية في محيطها المباشر، في ظل ما وصفه بضعف التحالفات الخارجية للحكومة الإسبانية.
وذهب إشبيلية إلى اعتبار تلك التطورات واحدة من أخطر محطات التوتر بين المغرب وإسبانيا منذ المسيرة الخضراء سنة 1975، مستحضراً دخول أكثر من 80 ألف مهاجر إلى سبتة، إلى جانب تحركات لسفن حربية مغربية في المنطقة البحرية المحيطة بها، وفق الرواية التي قدمها في مقاله.
وتبقى هذه الأرقام والتوصيفات جزءاً من قراءة الكاتب للأحداث، ولا تشكل في حد ذاتها حصيلة رسمية مستقلة أو إثباتاً للمسؤوليات السياسية والعسكرية التي نسبها إلى الأطراف المعنية.
ويربط التحليل بين هذه التطورات وما يعتبره استراتيجية مغربية تسعى إلى تقليص الاعتماد على إسبانيا، عبر توسيع الشراكات الدولية وتعزيز هامش الحركة الدبلوماسية والاقتصادية للمملكة.
وفي المقابل، ينتقد الكاتب حكومة بيدرو سانشيز، معتبراً أن تراجع علاقاتها مع الولايات المتحدة وبعض الشركاء الأوروبيين أضعف موقع مدريد وقدرتها على حشد الدعم الخارجي في مواجهة الأزمات الإقليمية.
ويتجاوز المقال العلاقات المغربية الإسبانية ليطرح إشكالية أعمق تتعلق بمستقبل النفوذ الأوروبي، إذ يرى إشبيلية أن الاتحاد الأوروبي بات أكثر عرضة للضغوط الخارجية نتيجة اعتماده العسكري على الولايات المتحدة، وتبعيته الاقتصادية والتكنولوجية لمصادر خارجية، فضلاً عن افتقاره إلى رؤية استراتيجية موحدة.
كما يحذر من أن الانقسامات السياسية داخل أوروبا، واختلاف مواقف دولها تجاه الصين وروسيا وواشنطن، تحد من قدرتها على التحرك باعتبارها قوة دولية مستقلة، وتضعف حضورها في مواجهة الأزمات المتصاعدة.
وفي هذا السياق، يندرج حديث الكاتب عن المغرب ضمن قراءة أوسع للتحولات في موازين القوة، حيث لم تعد العلاقات بين دول ضفتي المتوسط محكومة حصراً بالاعتبارات الجغرافية والتاريخية، بل أصبحت أكثر ارتباطاً بتشابك المصالح الاقتصادية والتحالفات السياسية والأمنية.
ويخلص التحليل إلى أن النقاش السياسي الإسباني، المنهمك في القضايا الداخلية والاستحقاقات الانتخابية، لا يمنح التحديات الجيوسياسية الخارجية الاهتمام الكافي، في وقت تحتاج فيه البلاد، بحسب إشبيلية، إلى رؤية استراتيجية مشتركة تعيد تحديد موقعها داخل أوروبا وعلى الساحة الدولية.
ويعكس المقال اتجاهاً داخل النقاش السياسي الإسباني يربط التوترات مع المغرب بأزمة أوسع في قدرة مدريد على التأثير الخارجي، ويطرح تساؤلات بشأن مستقبل العلاقة بين البلدين في ظل بيئة إقليمية ودولية متغيرة.
ومن أبرز ما يلفت الانتباه في المقال تأكيد صاحبه على عمق الترابط الاقتصادي بين المغرب وإسبانيا، رغم الخلافات السياسية، إذ وصف إسبانيا بأنها الشريك التجاري الأول للمملكة، مشيراً إلى تشابك سلاسل الإنتاج الصناعي بين البلدين. لكنه اعتبر أن تنويع المغرب لشراكاته، ولا سيما مع الصين، إلى جانب توجهه نحو مشاريع ربط طاقي مع البرتغال، يشيران إلى سعي الرباط لتقليص بعض أوجه اعتمادها الاستراتيجي على مدريد.

