تدخل الدبلوماسية الإماراتية لانا زكي نسيبة سباق قيادة الأمم المتحدة برصيد من الخبرة الدولية يمتد لسنوات، وجذور عائلية فلسطينية، وطموح قد يجعلها أول امرأة تتولى الأمانة العامة للمنظمة الدولية. وبعد ترشيحها رسميا من دولة الإمارات في 21 أكتوبر الجاري، أعلن المغرب دعمه لها، في خطوة تعكس اتساع دائرة التأييد العربي لترشحها.
وعبرت نسيبة، البالغة 48 عاما، عن تقديرها للموقف المغربي، مشيدة بثقة الرباط في قدرتها على قيادة منظمة تواجه تحديات متزايدة، في ظل تصاعد النزاعات الدولية وتراجع التوافق بين القوى الكبرى.
وراء مسيرتها الدبلوماسية حكاية عائلية تمتد جذورها إلى القدس، وترتبط بتاريخ عريق في الحياة السياسية والثقافية الفلسطينية. غير أن نسيبة، المولودة في أبوظبي عام 1978، اختارت بناء مسارها المهني في أروقة الدبلوماسية الدولية، حيث تتقاطع مصالح الدول وتخضع التسويات لاختبارات سياسية معقدة.
جذور مقدسية وتكوين أكاديمي بريطاني
تنحدر لانا نسيبة من عائلة فلسطينية بارزة ارتبط اسمها بالحياة العامة في القدس. فوالدها زكي نسيبة، المولود في المدينة، انتقل إلى أبوظبي بعد حرب عام 1967، وعمل صحفيا قبل أن يصبح مترجما ومستشارا للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.
أما جدها أنور نسيبة، فكان من الشخصيات المعروفة في الحياة السياسية الفلسطينية، فيما برز عمها سري نسيبة في المجال الفكري ومبادرات الحوار.
وتابعت نسيبة دراستها الجامعية في التاريخ بجامعة كامبريدج البريطانية، قبل أن تحصل عام 2003 على درجة الماجستير في الدراسات الإسرائيلية والشتات اليهودي من جامعة لندن.
ويعكس هذا المسار الأكاديمي اهتماما بتاريخ المنطقة وتعقيداتها السياسية، في تكوين جمع بين دراسة التجربة الفلسطينية وفهم جوانب من التاريخ والمجتمع الإسرائيليين، وهو ما رافق لاحقا عملها في ملفات دبلوماسية شديدة الحساسية.
من وزارة الخارجية إلى مجلس الأمن
بدأت نسيبة مسيرتها في العمل الدولي قبل أن تتولى عام 2009 تأسيس إدارة التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الإماراتية، حيث اضطلعت بمهام مرتبطة بملفي أفغانستان وباكستان.
وفي عام 2013، أصبحت أول امرأة تتولى منصب الممثلة الدائمة لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة، وهو موقع شغلته في نيويورك حتى عام 2024، وأتاح لها المشاركة في عدد من الملفات متعددة الأطراف.
وخلال هذه الفترة، تولت مناصب ومسؤوليات أممية، من بينها نيابة رئاسة الجمعية العامة ورئاسة المجلس التنفيذي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة. كما ترأست مجلس الأمن مرتين خلال عضوية الإمارات غير الدائمة للفترة 2022-2023.
وفي سياق الحرب على غزة، ارتبط اسمها بالجهود الدبلوماسية التي أفضت إلى اعتماد قرار مجلس الأمن رقم 2720، المتعلق بتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية إلى القطاع وتعزيز آليات تنسيقها. كما شاركت في تحركات دبلوماسية هدفت إلى الدفع نحو معالجة الاحتياجات الإنسانية للمدنيين.
وامتد نشاطها إلى ملفات أخرى، من بينها حقوق النساء الأفغانيات ومواجهة خطاب الكراهية، في مسار عزز حضورها داخل المؤسسات الدولية، حيث تتطلب المفاوضات الجمع بين المصالح الوطنية ومتطلبات العمل متعدد الأطراف.
ترشيح يواجه اختبار التوافق الدولي
على الرغم من الخبرة التي راكمتها، لا يبدو الطريق إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة محسوما أمام نسيبة. فالوصول إلى المنصب يتطلب مسارا مؤسسيا معقدا، يبدأ بالتوصية من مجلس الأمن وينتهي بقرار من الجمعية العامة، ما يجعل مواقف القوى الكبرى عاملا حاسما في تحديد هوية الأمين العام المقبل.
وتواجه المرشحة الإماراتية أيضا أسئلة سياسية مرتبطة بمواقف بلادها الإقليمية، خصوصا الاتهامات الموجهة إلى الإمارات بدعم قوات الدعم السريع في السودان، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي. وقد يشكل هذا الملف أحد عناصر النقاش بشأن ترشحها، في ظل استمرار الحرب السودانية وتداعياتها الإنسانية والإقليمية.
وتسعى نسيبة، بحسب توجهاتها المعلنة، إلى تعزيز قدرة الأمم المتحدة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى الدفع نحو حلول عملية، في وقت تواجه فيه المنظمة انتقادات بشأن محدودية قدرتها على احتواء النزاعات، نتيجة الخلافات بين أعضائها الدائمين في مجلس الأمن.
وفي حال فوزها، ستصبح أول امرأة تتولى منصب الأمين العام للأمم المتحدة، وثاني شخصية من الشرق الأوسط تصل إلى هذا المنصب بعد المصري بطرس بطرس غالي، الذي تولى الأمانة العامة بين عامي 1992 و1996.
وبين إرث عائلي مرتبط بالقدس ومسيرة دبلوماسية تشكلت في نيويورك، تدخل لانا نسيبة سباقا يتجاوز حدود سيرتها الشخصية، ليطرح سؤالا أوسع بشأن قدرة الدبلوماسية العربية على بناء توافق دولي في مرحلة تتزايد فيها الانقسامات. فامتلاك الخبرة والعلاقات يظل عاملا مهما، لكنه لا يغني عن اجتياز الاختبار الأصعب: إقناع القوى الكبرى بمرشحة قادرة على إدارة خلافاتها، والحفاظ على دور الأمم المتحدة في عالم تتسع فيه بؤر التوتر.

