وطن 24 من الرباط
لم تنقضِ أربعة أيام على تعيينه وزيرا منتدبا مكلفا بالصيد البحري في الحكومة المغربية الجديدة، حتى وجد القيادي في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أحمد المهدي المزواري، مصالحه التجارية السابقة تحت المجهر. وتدفع وثائق تعاقدية، وتقارير رقابية رسمية، بأسئلة معقدة حول الحدود الفاصلة بين المال العمومي المخصص للأحزاب، والاستفادة المالية لقياداتها.
وتستند كتلة المعطيات التي تلاحق المسؤول الحكومي الجديد إلى تقاطعات زمنية ومالية تعود لعام 2022. ففي التاسع من نونبر من ذلك العام، تلقى حزب الاتحاد الاشتراكي دعما عموميا استثنائيا بقيمة تفوق 1.93 مليون درهم (نحو 193 ألف دولار)، خُصصت قانونا لتمويل الدراسات والأبحاث.
غير أن الحزب بادر، بعد أقل من شهرين، إلى تحويل 1.835 مليون درهم من هذا الدعم لمكتب دراسات يحمل اسم “MELA STRATEGIE & CONSEIL”، مقابل إنجاز 23 دراسة شملت قطاعات اقتصادية واجتماعية.
المفارقة التي تضع العملية في صلب نقاش “تضارب المصالح”، تكمن في هوية المالكين. إذ تظهر وثائق تأسيس الشركة، المودعة في السجل التجاري قبل تسعة أشهر فقط من نيل الصفقة، أن المهدي المزواري يمتلك 40 في المئة من رأسمالها، إلى جانب 40 في المئة أخرى تعود للحسن لشكر، نجل الكاتب الأول للحزب إدريس لشكر، فيما تعود النسبة المتبقية لفاعلة ثالثة.
وهكذا، وجدت شركة حديثة التأسيس، يمتلك مسؤولان نافذان في الحزب 80 في المئة من أسهمها، نفسها المستفيد الأول والوحيد من الدعم العمومي الممنوح للحزب ذاته، ضمن تعاقدات لم تلتزم بالمعايير الصارمة للشفافية.
أبحاث بلا منهجية
ولا تتوقف التساؤلات عند حدود هوية المتعاقدين، بل تمتد إلى جودة الأعمال التي مُولت من الخزينة العامة. فقد تدخل المجلس الأعلى للحسابات (أعلى هيئة رقابية في المغرب) في تقريره الصادر في فبراير 2024، ليسجل ملاحظات هيكلية على الصفقة.
ورصد المجلس اعتماد الحزب عقدا شاملا بثمن “إجمالي جزافي”، متجاوزا بذلك شرط إبرام اتفاقيات منفصلة تحدد تكلفة وطبيعة كل دراسة على حدة، وهو ما أفرغ التعاقد من أي قدرة على تقييم الخدمة المقدمة.
وعند افتحاص 21 دراسة قدمها الحزب لتبرير النفقات، جاء تقييم قضاة الحسابات حاسما؛ إذ صنفوا الوثائق بأنها مجرد “عروض ومذكرات موجزة تتضمن معلومات واقتراحات عامة متاحة للعموم”. وسجل التقرير افتقار هذه الأوراق لأبسط أبجديات البحث العلمي، من قبيل غياب الإشكاليات، وانعدام الفرضيات، وتجاوز آليات جمع البيانات وتوثيق المصادر.
دفاع مجتزأ
في مواجهة هذا المسار التوثيقي، اكتفى محيط الوزير المزواري بتقديم شروح ركزت على الجانب الشكلي للنزاع. ونقلت مصادر مقربة منه، أن مكتب الدراسات يتمتع بـ “شخصية قانونية مستقلة”، مستندة إلى تقرير لاحق للمجلس الأعلى للحسابات (برسم عام 2023 والمنشور في ماي 2025) للقول بسلامة وضعية الحزب.
بيد أن القراءة الفاحصة للتقرير الأخير تبين أن التقييم الرقابي انصب على تسوية ملف النفقات من خلال إعادة الحزب لمبلغ 95 ألف درهم (الفارق غير المستعمل من الدعم)، ولم يتضمن أي تراجع عن الملاحظات السابقة المتعلقة برداءة الدراسات وانعدام منهجيتها، مما يجعل التسوية المالية منفصلة تماما عن المحاسبة حول جودة ما صُرف فيه الجزء الأكبر من المال العام.
منازعات موازية
وإلى جانب ملف الدراسات الحزبية، تطفو على السطح التزامات مالية أخرى ترتبط بالمسار المهني للوزير. فقد أظهرت بيانات تجارية صلته بشركة تأمين أُسست عام 2006 بالمحمدية. وتزامن ذلك مع نشر منصة استقصائية محلية لمعطيات حول صدور حكم يلزمه بإرجاع دين بنكي يناهز مليوني درهم.
وفي وقت سارع فيه محيط المزواري إلى نفي وجود أي نزاع قضائي حالي مع شركة التأمين، مشيرا إلى إنهاء العلاقة قبل عقد من الزمن، بدا لافتا تجنب الرد المباشر على الادعاء المتعلق بالدين البنكي، مما يبقي الملف معلقا في انتظار إتاحة الوثائق القضائية التي تحسم طبيعة النزاع ومآل الحكم.
وتضع هذه التراكمات الحكومة، التي شكلتها فاطمة الزهراء المنصوري تحت لواء “محاربة الإثراء غير المشروع”، أمام اختبار مبكر. إذ يتجاوز النقاش شخص الوزير، ليلامس مدى كفاية الآليات المؤسساتية في فحص الذمم المالية والتقاطعات التجارية للمسؤولين قبل استوزارهم، وقدرة المنظومة القانونية على منع تحول الدعم العمومي للأحزاب إلى دورة مالية مغلقة بين قياداتها.

