بينما يسير تنزيل ورش الحماية الاجتماعية بخطى حثيثة نحو تعميم التغطية وتوسيع قاعدة المستفيدين، يبرز الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي كمؤسسة مركزية تقود هذا التحول التاريخي، بفعالية تنفيذية تنسجم مع الورش الملكي للحماية الاجتماعية الذي جعل من الكرامة الاجتماعية حقا لا امتيازا، ومن الحماية قاعدة لا استثناء.
في سنة 2021، أعطى الملك محمد السادس انطلاقة ورش تعميم الحماية الاجتماعية، بوصفه مشروعا مجتمعيا متكاملا يعيد ترتيب الأولويات الوطنية على أساس صون الكرامة الإنسانية وضمان الأمن الصحي والتقاعدي لجميع المواطنين، دون استثناء.
ومنذ ذلك الحين، لم يعد الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي مجرد مؤسسة لتدبير الاشتراكات والتعويضات، بل أصبح المحرك النابض لمنظومة اجتماعية جديدة، تعيد الثقة في العدالة الاجتماعية وتمنح الأمل لملايين المغاربة.
أرقام تتحدث
المعطيات الرسمية إلى غاية ماي 2025 تروي قصة صعود لافت. فقد تجاوز عدد المستفيدين من التأمين الإجباري عن المرض (AMO) 24.7 مليون شخص، من بينهم 3.8 ملايين من العمال غير الأجراء، و11.1 مليون من الفئات الهشة المستفيدة من نظام AMO-تضامن، إلى جانب 9.8 ملايين من أجراء القطاع الخاص. إنها قفزة نوعية تعكس التحول الهيكلي في بنية الرعاية الاجتماعية بالمغرب.
ومع كل خدمة طبية مفوترة، وكل ملف تعويض يُعالج، تتضح معالم التغيير. فالمستشفيات العمومية والعيادات الخاصة سجلت 53 مليون خدمة، في حين عالج الصندوق خلال أشهر معدودة أكثر من 527 ألف ملف طبي، بتكلفة ناهزت 190 مليون درهم.
كل ذلك جرى في مسار رقمي حديث، يتيح للمستفيدين من مختلف الفئات تتبع ملفاتهم بيسر وشفافية.
ومع حلول فاتح ماي 2025، دخل نظام التقاعد لفائدة غير الأجراء حيز التنفيذ، فاتحا الباب أمام فئات ظلت خارج المعادلة لعقود.
ويتيح النظام الجديد التقاعد انطلاقا من 1320 يوما من الاشتراك، مقابل معاش يتراوح بين 600 و1000 درهم شهريا، مع استفادة موازية من التغطية الصحية.
إصلاحات هيكلية بصيغة اجتماعية
وفي العمق، لم يكن هذا التوسع الكمي إلا جزءا من تحول مؤسساتي أشمل. حيث نقل القانون 02.24، المعتمد في يناير 2025، الصندوق إلى مستوى جديد من الفعالية، منحه صلاحيات إضافية لتدبير أنظمة حماية اجتماعية جديدة، وإمكانية خلق فروع متخصصة، والتصرف كذراع تنفيذية مرنة في خدمة السياسة الاجتماعية للمملكة.
وفي مواجهة تحديات التحصيل، مُنح الصندوق أداة قانونية قوية باعتبار ديونه دينا عموميا، وهو ما مكنه من رفع نسبة التحصيل إلى 93 بالمئة، وتحقيق تحصيلات قاربت 4.25 مليارات درهم عبر الآليات الجبائية.
اما تقنيا، شهدت البنية الرقمية تطورا غير مسبوق. إذ أُطلقت منصات جديدة، وزيد عدد نقط الإيداع إلى أكثر من 3000 نقطة، مع إحداث مركز اتصال من الجيل الجديد بمدينة المحمدية، يستوعب أكثر من 300 محطة عمل، ما حسن تجربة المرتفقين وجعلها أكثر إنسانية وفاعلية.
على إيقاع العناية الملكية
وفي خلفية كل هذه الأرقام، تبرز العناية الملكية كإيقاع ثابت وراسخ، يضبط بوصلة هذا الورش الوطني ويضمن له الاستمرارية والمصداقية.
فلم تكن حماية الفئات الهشة مجرد وعد ظرفي، بل التزام دولة وملك اختار أن يجعل من الإنصاف الاجتماعي حجر الزاوية في النموذج التنموي الجديد.
فلم يعد الضمان الاجتماعي، في صيغته الجديدة، مجرد آلية إدارية، بل صار تعبيرا ملموسا عن التعاقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها.
إنها مؤسسة تؤمن بأن الحق في العلاج والتقاعد ليس منة، بل استحقاق. ومؤتمن على كرامة الملايين الذين لم يعودوا يشعرون بأنهم على هامش الوطن.
ورغم التحديات، ومنها ضعف الإقبال لدى بعض الفئات غير المهيكلة، ومحدودية الانتظام في أداء الاشتراكات، فإن المسار ماض بثبات. بدعم من الإرادة السياسية والتمويل العمومي، وبقيادة مؤسساتية فعالة، يستمر المغرب في بناء درع اجتماعي حقيقي.
وفي نهاية المطاف، يبدو الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، أكثر من أي وقت مضى، كحارس لكرامة المغاربة، وجدار صامد يحول دون السقوط في الهشاشة، على إيقاع عناية ملكية لا تهدأ، وإرادة جماعية تصنع الفارق

