ليست المساجد في المغرب مجرد جدران تحتضن الصلاة، بل هي صروح نابضة بالإيمان، شاهدة على تاريخ ممتد وعلاقة روحية متجذرة بين المغاربة وبيوت الله.
وحين أعلن الملك محمد السادس، أمير المؤمنين، عن فتح 26 مسجدا جديدا ومجددا مع حلول رمضان، لم يكن الأمر مجرد قرار إداري، بل استمرار لمسيرة حب ووفاء للمسجد، هذا الفضاء الذي ظل عبر العصور منارة للهداية، ومدرسة للتربية، وملتقى للأرواح الساعية إلى السكينة.
المغاربة لم ينظروا يوما إلى المسجد كحيّز مكاني لأداء الصلاة فقط، بل هو امتداد لحياتهم الروحية والاجتماعية، يرافقهم منذ الطفولة وحتى آخر العمر.
في كل حيّ، في كل قرية، وفي قلب كل مدينة، يتربع المسجد شامخا كقطب روحي واجتماعي، يشهد على قصص لا تنتهي من الإيمان والوفاء.
وفي رمضان، حين تعمر المساجد بالمصلين، يتشكل مشهد روحاني يختلط فيه الخشوع بالفرح، وحين يتعالى صوت الأذان، تدرك أن المسجد ليس مجرد مكان، بل جزء من وجدان أمة.
في المدن الكبرى، حيث تكتظ الشوارع بالحركة، يكون المسجد واحة للطمأنينة، يدخل إليه المصلون ليغسلوا أرواحهم من ضجيج الحياة.
وفي القرى النائية، حيث تختزل الحياة في بساطتها، يكون المسجد نبضا للحياة، مركزا يجتمع حوله الناس، لا فقط لأداء الصلاة، ولكن لتبادل الأخبار، لحل النزاعات، وللتشاور في أمورهم اليومية.
في هذه الأماكن، لا يكون المسجد مجرد مبنى، بل روحا تعطي للحياة معناها، وساحة تحتضن تجمعات الخير، حيث يتقاسم الجيران التمر والشاي بعد كل صلاة مغرب، ويخططون لمساعدة المحتاجين خلال شهر رمضان.
لم يكن المغاربة يوما في حاجة إلى قرارات رسمية ليعبروا عن حبهم للمساجد، بل إن علاقتهم بها هي علاقة وجدانية تتجلى في مساهماتهم المستمرة في بنائها وترميمها.
وفي كثير من القرى، يجتمع السكان لجمع التبرعات، يشارك كل واحد بما يستطيع، فمن يملك المال يتبرع، ومن لا يملك يشارك بجهده، سواء في البناء أو في الصيانة أو حتى في تنظيف المسجد بعد كل صلاة.
وفي المدن، يجد المحسنون في بناء المساجد صدقة جارية يتقربون بها إلى الله، فتراهم يسارعون إلى تمويل بناء مسجد جديد أو تجهيز آخر بالفرش والمصاحف، وكأنهم بذلك يتركون بصمة خالدة في بيوت الله.
وتكشف الإحصائيات الرسمية حجم هذا الاهتمام، حيث يتجاوز عدد المساجد في المغرب 53 ألف مسجد، موزعة بين المدن والقرى، بعضها يمتد تاريخه لقرون طويلة، مثل جامع القرويين بفاس، ومسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، ومسجد الكتبية بمراكش. فهذه المساجد ليست فقط معالم دينية، بل ذاكرة حية تحمل في طياتها تاريخ المغرب وتراثه الروحي والحضاري.
وحين أعلنت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، أن 26 مسجدا جديدا ستفتح أبوابها بطاقة استيعابية تفوق 14 ألف مصلٍّ ومصلية، وبكلفة بلغت 160 مليون درهم، لم يكن ذلك مجرد رقم مالي أو إحصائي، بل هو امتداد لسياسة دينية تهدف إلى توفير أماكن عبادة تليق بالمغاربة، وتجسد استمرارية هذا التعلق العميق ببيوت الله.
فالمساجد في المغرب لم تكن يوما مجرد أبنية من الحجر، بل هي أرواح تسكنها قلوب المصلين، وأبواب مفتوحة أمام الباحثين عن الطمأنينة، ومشاعل تنير دروب الأجيال، وجسور تصل الأرض بالسماء.

