تجاوز المغرب بشكل نهائي تداعيات وقف انبوب الغاز المغاربي الاوروبي، بعدما نجح في تأمين حاجياته من الغاز الطبيعي عبر مصادر بديلة متنوعة، عقب قرار الجزائر المفاجئ في 31 اكتوبر 2021 عدم تجديد عقد التوريد ووقف الضخ عبر الاراضي المغربية، في خطوة اعتبرها مراقبون انذاك بمثابة ضغط سياسي على الرباط.
ومنذ ذلك التاريخ، اعتمد المغرب استراتيجية مرنة قوامها الاستيراد العكسي للغاز عبر اسبانيا، باستخدام نفس الانبوب بعد تشغيله في الاتجاه المعاكس بفضل تعاون فني وثيق مع مدريد، في وقت ظلت الجزائر ترفض بشكل قاطع اي مقترحات لاعادة تشغيل الخط، بسبب الخلاف السياسي المتفاقم حول قضية الصحراء وتطبيع المغرب علاقاته مع اسرائيل.
وافادت منصة “الطاقة” الدولية المتخصصة ان واردات المغرب من الغاز خلال الاشهر الثمانية الاولى من سنة 2025 بلغت 6,731 غيغاواط/ساعة، مقابل 6,290 غيغاواط/ساعة في الفترة نفسها من 2024، ما يعادل ارتفاعا سنويا نسبته نحو 7%، في مؤشر واضح على نجاح البديل الاستراتيجي الذي اعتمدته الرباط.
وبحسب المعطيات ذاتها، سجل شهرا يوليوز وغشت اعلى حجم واردات، بـ992 غيغاواط/ساعة لكل منهما، وهو المستوى الاعلى منذ بداية العام، مدفوعا بارتفاع الطلب خلال فصل الصيف وتشغيل محطات انتاج الكهرباء بالغاز بكامل طاقتها لتلبية حاجيات القطاع الصناعي والمنزلي.
ويستورد المغرب حاليا الغاز الطبيعي المسال من عدة موردين دوليين، من ابرزهم روسيا والولايات المتحدة ونيجيريا وقطر، ويعاد تغويزه في محطات اسبانية متطورة قبل ضخه الى الشبكة الوطنية عبر الانبوب ذاته الذي كان يستخدم سابقا لنقل الغاز الجزائري. كما وقع المغرب اتفاقا استراتيجيا طويل الامد مع شركة “شل” البريطانية الهولندية لتوريد 500 مليون متر مكعب سنويا، في اطار تنويع مصادر الامداد وضمان الامن الطاقي للبلاد.
ويبلغ طول انبوب الغاز المغاربي الاوروبي 1,620 كيلومترا، ويمتد من حاسي الرمل في الجزائر عبر المغرب وصولا الى قرطبة في اسبانيا، وكان يستخدم منذ تشغيله عام 1996 لنقل الغاز الجزائري نحو اسبانيا والبرتغال عبر المغرب، الذي كان يحصل في المقابل على حصة سنوية تقدر بنحو مليار متر مكعب من الغاز ورسوم عبور تقدر بملايين الدولارات.
وقال مسؤول مغربي في وزارة الانتقال الطاقي، طلب عدم الكشف عن هويته، ان “المغرب نجح في تحويل التحدي الى فرصة لتعزيز سيادته الطاقية وتنويع مصادر الامداد”، مشيرا الى ان “الخيارات المتاحة حاليا اكثر مرونة واستدامة من الاعتماد على مورد واحد”.
ورغم وساطات اوروبية متعددة لاعادة تشغيل الخط، خاصة في ظل ازمة الطاقة التي شهدتها اوروبا عقب الحرب في اوكرانيا، اكدت الجزائر خلال الاشهر الماضية ان الملف “مغلق نهائيا”، في ظل ما تصفه بـ”الظروف السياسية الحالية” و”الاعمال العدائية” التي تتهم بها الرباط.
وكانت الجزائر قد عوضت جزئيا عن توقف هذا الخط بزيادة ضخ الغاز عبر انبوب “ميدغاز” البحري الذي يربطها مباشرة باسبانيا، رغم ان طاقته الاستيعابية اقل بكثير من انبوب المغرب العربي.
وفي المقابل، يواصل المغرب تطوير بنيته التحتية الطاقية، حيث يخطط لبناء محطة عائمة لاستقبال وتغويز الغاز الطبيعي المسال في ميناء الجرف الاصفر بطاقة استيعابية اولية تقدر بـ3 ملايين طن سنويا، ما سيعزز استقلاليته الطاقية ويقلص اعتماده على البنى التحتية الاسبانية.
كما يستثمر المغرب بكثافة في الطاقات المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية والريحية، في اطار استراتيجية وطنية تهدف الى رفع حصة الطاقات النظيفة الى اكثر من 52% من المزيج الطاقي بحلول 2030، ما يقلل تدريجيا من الاعتماد الكلي على الغاز الطبيعي في انتاج الكهرباء.

