لم يخرج تعيين ولي العهد الأمير مولاي الحسن منسقا لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية عن الأسلوب الذي دأبت عليه الملكية في المغرب عند تدبير الملفات السيادية: كلمات قليلة، إحالة تاريخية دقيقة، ورسالة سياسية أبعد من منطوق البلاغ.
فالبلاغ الصادر عن الديوان الملكي لم يكتف بإعلان القرار، بل أعاد فتح الذاكرة المؤسسية لسنة 1985، حين تولى الملك محمد السادس، عندما كان وليا للعهد، تنسيق مكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية، بتعيين من والده الملك الراحل الحسن الثاني. هذه الإحالة لم تكن زائدة بروتوكولية، بل مفتاح قراءة القرار.
في المغرب، لا تُفهم القرارات المتصلة بالمؤسسة العسكرية خارج بنية الحكم نفسها. فالملك، بمقتضى الدستور، هو القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية ورئيس أركان الحرب العامة، وهو من يعين في المناصب العسكرية. لذلك لا يقدم التعيين الجديد نفسه باعتباره نقلا للسلطة العسكرية، بل إدخالا منظما لولي العهد إلى فضاء سيادي شديد الحساسية، تحت سقف القيادة الملكية القائمة.
بهذا المعنى، يتحرك القرار في منطقة دقيقة بين الرمزية والتكوين العملي. فمن جهة، يضع الأمير مولاي الحسن قرب مكاتب ومصالح القيادة العامة، أي قرب آليات التنسيق والمتابعة داخل مؤسسة تقوم على الانضباط، التسلسل، السرية، والجاهزية. ومن جهة ثانية، يحافظ على مركز القرار كما هو، داخل المؤسسة الملكية وبيد الملك محمد السادس.
ولذلك تبدو المقارنة مع سنة 1985 مركزية. فالملك محمد السادس لم يدخل، وهو ولي للعهد، إلى المجال العسكري من باب الخطاب السياسي أو الظهور الاحتفالي، بل عبر موقع تنسيقي داخل القيادة العامة. وبعد سنوات، ظل ذلك جزءا من سيرة تكوينه داخل الدولة قبل اعتلائه العرش سنة 1999. واليوم يعاد استدعاء المنطق نفسه مع ولي العهد الأمير مولاي الحسن، لكن داخل سياق إقليمي ودولي أكثر تعقيدا.
خلال السنوات الأخيرة، لم يعد الجيش المغربي مؤسسة دفاعية تقليدية فقط. فقد انخرط في تحديث واسع شمل القدرات الجوية والبرية والبحرية، وتعزيز التعاون العسكري، ورفع مستوى الجاهزية. وتندرج صفقات من قبيل اقتناء مروحيات أباتشي AH-64E ضمن هذا المسار، بعدما أعلنت Boeing سنة 2020 أن المغرب أصبح البلد السابع عشر الذي يقتني هذا الطراز، عبر عقد يشمل 24 مروحية.
في هذا السياق، يكتسب إدماج ولي العهد في دوائر التنسيق العسكري دلالة مضاعفة. فهو ليس تدبيرا معزولا داخل القيادة العامة، بل جزء من إعداد طويل النفس لشخصية ستتحمل، بحكم موقعها الدستوري والرمزي، مسؤوليات عليا في دولة تجعل المؤسسة العسكرية إحدى ركائز استقرارها.
وتعزز هذه القراءة مسارات الظهور الرسمي المتزايد لولي العهد في السنوات الأخيرة. فقد ترأس في دجنبر 2025 افتتاح كأس إفريقيا للأمم بالمغرب، كما دشن بأمر من الملك محمد السادس، في أبريل 2026، برج محمد السادس بالرباط-سلا، في مناسبتين تحملان رمزية تمثيل الدولة في ملفات كبرى، رياضية وتنموية ومؤسساتية.
غير أن الفرق في القرار الأخير أنه ينقله إلى مجال أكثر حساسية من البروتوكول المدني أو التمثيل الرمزي. فالقيادة العامة للقوات المسلحة الملكية ليست فضاء ظهور، بل فضاء اشتغال داخلي. ومنصب التنسيق، وإن لم يكن موقع قيادة عسكرية مباشرة، يتيح احتكاكا ببنية القرار والمتابعة داخل مؤسسة سيادية لا تتحرك بمنطق السياسة اليومية.
هنا تكمن الرسالة الأساسية: الملكية لا تعلن انتقالا، بل تصنع استمرارية. لا تقدم مشهدا دراميا، بل ترتب المسار بهدوء. ولا تترك إعداد ولي العهد محصورا في المراسم الرسمية، بل تدرجه تدريجيا في مؤسسات الدولة الأكثر حساسية.
بهذا المعنى، جاء البلاغ الملكي قصيرا، لكنه محمل بذاكرة سياسية طويلة. فهو يربط ولي العهد بتجربة الملك محمد السادس نفسها، ويضع التعيين داخل تقليد مؤسساتي مغربي يقوم على التدرج، الرمزية، والتموقع المدروس داخل الأجهزة السيادية.
إنه قرار قليل الكلمات، لكنه يقول الكثير عن طريقة المغرب في صناعة الاستقرار: لا قفزات، لا إعلان عن قطيعة، ولا استعراض زائد. فقط خطوة محسوبة داخل مؤسسة عسكرية حديثة، وداخل ملكية تعرف أن الاستمرارية لا تُترك للصدفة، بل تُبنى مبكرا، وبهدوء.

