تحت سماء رمادية خانقة في القصر الكبير، كانت الحافلة الرمادية تشق طريقها ببطء وسط مياه تتقدم بلا هوادة. لم تبدُ كوسيلة نقل عادية، بل كعنصر دخيل على مشهد لم يُصمَّم لاستقبال الفخامة.
هي نفسها الحافلة التي ظهرت قبل أسابيع في لقطات تلفزيونية أنيقة، تنقل نجوم كرة القدم الإفريقية خلال كأس أمم إفريقيا. اليوم، تغير السياق كليا، وتغيرت المهمة.
في يناير، كانت حافلات “سوبراتور” جزءا من صورة رسمها المغرب بعناية. تنظيم محكم، أسطول حديث، ورسالة واضحة عن الجاهزية.
في فبراير، وجدت هذه الحافلات نفسها في قلب اختبار مختلف. أمطار غزيرة، فيضانات زاحفة، وسكان يُطلب منهم المغادرة بسرعة. ما كان رمزا لـ“البريستيج” الرياضي تحول إلى أداة إجلاء.
على المقاعد الجلدية التي صُممت لراحة اللاعبين، جلس أطفال بملابس مبتلة، ونساء يحملن حقائب صغيرة، وشيوخ أنهكهم الانتظار.
داخل الحافلة، اختفى صخب الاحتفال، وحل محله صمت ثقيل، لا يقطعه سوى صوت المطر وطمأنة السائقين للركاب. السائقون أنفسهم، المدربون على التعامل مع وفود رسمية، صاروا يوجهون عائلات مرتبكة ويبحثون عن طرق سالكة وسط مياه موحلة.
محمد، أحد سكان ضواحي المدينة، قال وهو يصعد الحافلة مع أطفاله: “كنا نراها في التلفاز ونقول هذا تنظيم عالمي. اليوم، نحن داخلها. لم نشعر أننا أقل أهمية من أولئك اللاعبين”.
هذا التحول لم يكن صدفة. وفق معطيات ميدانية، جرى تسخير الأسطول في إطار تنسيق استباقي بين السلطات المحلية ومؤسسات النقل.
الفكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها دالة في عمقها: الموارد التي استُثمر فيها لعرض صورة الدولة في الخارج، تُعاد توجيهها عند الضرورة لحماية الداخل.
يرى متابعون أن ما حدث في القصر الكبير يتجاوز عملية إجلاء تقنية. إنه نموذج لكيفية تعامل دولة مع أدواتها الحديثة باعتبارها رصيدا سياديا مرنا، لا يُحجز للمناسبات الكبرى فقط، بل يُستدعى عندما تصبح سلامة المواطنين على المحك.
الحافلات التي اعتادت الطرق السيارة المضيئة، دخلت أزقة ضيقة ومسالك هشة، في سباق مع منسوب مياه يرتفع كل ساعة.
مع استمرار الأمطار وتحذيرات اليقظة البرتقالية، تواصل هذه الحافلات رحلاتها القصيرة لكنها الحاسمة. لم تعد الوجهة ملعبا أو فندقا، بل نقطة آمنة. في هذا المشهد، تتبدل معايير الفخامة. لم تعد في نعومة المقاعد أو حداثة التصميم، بل في قدرة تلك المقاعد على احتواء الخوف، ومنح فرصة جديدة للنجاة.
بين ملاعب “الكان” وضفاف وادي اللوكوس، رسمت حافلات “سوبراتور” مسارا غير متوقع. مسار يقول إن القوة الحقيقية لا تظهر فقط في لحظات الاحتفال، بل في سرعة التحول عندما تفرض الطبيعة اختبارها.

