وطن 24 – افتتاحية
للدول ذاكرة تمتد أبعد بكثير من أعمار الحكومات. وحين تستعرض المملكة المغربية اليوم خريطة تحالفاتها الاستراتيجية، الممتدة من واشنطن وباريس وصولا إلى عواصم الخليج، فهي لا تفعل ذلك بعين الحاضر المعزول.
خلف هذه الشبكة المعقدة من الشراكات، تقف طبقات متراكمة من تاريخ إقليمي مرير، أثبتت فيه الجغرافيا أنها نادرا ما تكون مرادفا للأمان، وأن خطابات “الأخوة” المعلنة لم تكن يوماً بوليصة تأمين تحمي الظهور.
إن توجيه اللوم للرباط اليوم على صلابة براغماتيتها الدبلوماسية، يشبه إلى حد بعيد قراءة الصفحة الأخيرة من كتاب جُرد عمدا من فصوله الأولى.
فالمغرب، الذي يُسأل باستمرار عن المسافات الجيوسياسية التي يقطعها بحثا عن حلفاء موثوقين، يحمل إرثا طويلا من الخيبات الإقليمية، حيث تعلم بالطريقة الصعبة أن أقصر الطرق نحو الخصومة كانت تمر، للمفارقة، عبر أقرب العواصم.
في مطلع الستينيات، وبينما كان غبار الاستعمار ينجلي للتو عن الشمال الإفريقي، اصطدمت الطوباوية المغاربية بصخور الواقع الحدودي.
ومع اندلاع “حرب الرمال”، وفي وقت كانت فيه المنطقة تتنفس لغة التحرر والوحدة، برزت حسابات المحاور بوضوح؛ إذ اصطفت القاهرة الناصرية عسكريا ولوجستيا خلف نظام أحمد بن بلة في الجزائر، وهو تدخل وثقته الأرشيفات الدبلوماسية الأميركية بقلق بالغ آنذاك.
وبالنسبة للرباط، كان ذلك أول شرخ عميق في مرآة الجوار: الانتماء القومي لا يلغي حرب التموقع، والخرائط الأيديولوجية قادرة، بجرة قلم، على التهام خرائط الأخوة.
ثم جاء نزاع الصحراء في منتصف السبعينيات، ليحول الشرخ إلى قطيعة هيكلية. وجدت الرباط نفسها في مواجهة جبهة مسلحة تحظى بالرعاية، والعمق التكتيكي، وخطوط الإمداد من الجزائر، مدعومة ماليا وعسكريا من ليبيا القذافي في مراحل حاسمة.
ولم يكن هذا مجرد توجس مغربي؛ فالوثائق الدبلوماسية الغربية والأميركية من تلك الحقبة تفصل بوضوح حجم هذا الانخراط المادي الذي شكل العنصر الأساسي في تعقيد النزاع وإطالة أمده. وخلف المسرح المزدحم بخطب الثورة والوحدة، كانت لغة الرصاص هي التي تتحدث على الأرض.
هنا، يبلغ التاريخ ذروة سخريته، وتبرز تناقضات الجيوبوليتيك الإقليمي. فالخطاب الدبلوماسي والإعلامي الرسمي في الجزائر، الذي جعل من مبدأ “تصفية الاستعمار” عقيدة مركزية ثابتة في مقاربته لنزاع الصحراء، يبدو وكأنه يتخلى تماما عن هذه العدسة بمجرد النظر إلى الضفة الشمالية للمغرب.
ففي مسار ممتد من المواقف والخطابات الرسمية، لا يتردد الإعلام الجزائري في تبني السردية الإسبانية، واصفا مدينتي سبتة ومليلية بـ”الجيبين الإسبانيين”، كما يتجلى في التعاطي الإخباري والإذاعي الرسمي. وكأن مبادئ تصفية الاستعمار تخضع لنقاط تفتيش جمركية، تُمرَّر حمولتها كاملة في اتجاه واحد، وتُصادر بمجرد اقترابها من المتوسط.
أمام هذا التراكم التجريبي، لم يختر المغرب الارتياب النظري، بل استخلص دروس الواقعية السياسية. لم ينسحب من محيطه، بل حافظ على حضوره المؤسساتي، وأبقى على مركزية القضية الفلسطينية في عقيدته الدبلوماسية، رافضا تحويل الخلاف مع الأنظمة إلى قطيعة مع المجال العربي. لكنه، في المقابل، وببطء جيولوجي، أرسى فصلا حاسما بين “الانتماء الهوياتي” و”التحالف الاستراتيجي”.
هذه هي الزاوية المفقودة في قراءة المشهد الدبلوماسي المغربي الراهن. فالدول، في نهاية المطاف، لا تختار شركاءها من دفتر العائلة، بل من سجل المصالح المشتركة ومحطات الاختبار الحرجة. الجغرافيا قد تفرض الجوار، لكنها لا تملك الكلمة الفصل في هندسة الصداقات.
وعليه، فإن تنويع الرباط لشركائها، وتعميق ارتباطاتها الأطلسية والخليجية بحثا عن مظلات أمنية واقتصادية متينة، ليس مجرد تغيير عابر في البوصلة. إنه استجابة حتمية لذاكرة دولة أدركت مبكراً أن “البيت الإقليمي” ليس بالضرورة الملاذ الآمن عندما تشتد العواصف.
تبدو المفارقة اليوم ثقيلة ومحملة بالدلالات: يُطالب المغرب باستمرار بتقديم كشف حساب عن شبكة تحالفاته الكثيفة، في حين يُعفى أولئك الذين جعلوا بناء هذه الشبكة الدفاعية ضرورة وجودية، من أي سؤال. في السياسة الدولية، كما في الخرائط القديمة، لا تُرسَم الحدود دائماً بالحبر المعاهدات.. بعضها، وللأسف، ترسمه الندوب.

