وطن 24 من الرباط
اعتبرت دراسة أكاديمية نشرت الخميس أن اعتماد السلطات المغربية على الإصلاحات المحدودة واحتواء الحركات الاحتجاجية ساهم في الحفاظ على الاستقرار السياسي، لكنه لم يعالج الأسباب التي تدفع الشباب إلى الاحتجاج، في وقت تتسع فيه الفجوة بين الأجيال الجديدة والأحزاب السياسية والمؤسسات المنتخبة.
وخلصت الدراسة إلى أن المغرب يواجه تحولا في طبيعة التعبئة الشبابية، بعدما أصبحت الاحتجاجات المرتبطة بالبطالة والخدمات الصحية والتعليمية والتفاوتات الاجتماعية تستقطب شبابا لا تجمعهم انتماءات حزبية أو تنظيمات سياسية تقليدية، بينما تظل قدرة هذه الحركات على التأثير في القرارات السياسية محدودة.
ورأى الباحث بدر سيتان الماضي، من الجامعة الألمانية الأردنية، أن السياسة المغربية تجاه الحركات الاحتجاجية تجمع بين الاستجابة الانتقائية لبعض المطالب وتقديم إصلاحات محدودة، وبين الرقابة والتدخل الأمني، وهو ما يسمح باحتواء موجات الغضب دون أن يؤدي بالضرورة إلى معالجة الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية التي تغذيها.
وجاءت هذه النتائج في دراسة نشرتها مجلة “Societies” العلمية التابعة للناشر الأكاديمي MDPI، تناولت تحولات الاحتجاجات الشبابية في المغرب وتونس منذ أحداث الربيع العربي سنة 2011، مع التركيز على الأشكال الجديدة للتعبئة المرتبطة بجيل زد.
وبحسب الدراسة، فإن أحد أبرز التحولات في المغرب يتمثل في تراجع دور الأحزاب باعتبارها وسيطا بين الشباب ومؤسسات القرار، بعدما أصبح عدد من الشباب يعتبرون أن المشاركة السياسية عبر التنظيمات التقليدية لا تتيح لهم تأثيرا ملموسا في السياسات المرتبطة بالتشغيل والتنمية والخدمات العمومية.
وربط الباحث هذا التراجع بطبيعة النظام السياسي المغربي، معتبرا أن الإصلاحات الدستورية التي أعقبت احتجاجات حركة 20 فبراير عام 2011 لم تغير بصورة جوهرية موازين السلطة، وأن استمرار مركزية القرار السياسي حد من قدرة المؤسسات الحزبية والانتخابية على استيعاب تطلعات الشباب.
وأشار إلى أن هذه الوضعية ساهمت في انتقال فئات من الشباب نحو أشكال أخرى من المشاركة السياسية، تقوم على الاحتجاج المباشر والحملات الرقمية والمبادرات المدنية غير الرسمية، دون الحاجة إلى الانخراط في الأحزاب أو الالتزام ببرامج سياسية وأيديولوجية محددة.
ولاحظت الدراسة أن هذا التحول يترافق مع تغير في طبيعة المطالب، إذ أصبحت قضايا البطالة، ولا سيما بين المتعلمين وحاملي الشهادات، وضعف الخدمات الصحية والتعليمية والفساد والتفاوتات المجالية، تشكل دوافع رئيسية للتعبئة، بدلا من المطالب السياسية العامة التي ميزت بعض الحركات السابقة.
وفي هذا السياق، رأى الباحث أن المنصات الرقمية أتاحت للشباب المغربي تجاوز قنوات التواصل التقليدية، وتنظيم التحركات وتبادل المعلومات وحشد التأييد حول قضايا اجتماعية محددة، دون الاعتماد على قيادات مركزية.
غير أن الدراسة سجلت مفارقة في نتائج هذا التحول، تتمثل في قدرة الحركات الشبابية على تحقيق انتشار واسع وإثارة الاهتمام العمومي بمطالبها، مقابل محدودية قدرتها على إحداث تغييرات مؤسساتية مستدامة.
وعزت ذلك إلى القيود التي تواجه المشاركة السياسية، وإلى صعوبات التنظيم والاستمرارية التي تعترض الحركات اللامركزية، فضلا عن تأثير الرقابة على النشاط الرقمي والملاحقات التي تطال بعض الناشطين.
واعتبر الباحث أن هذه الضغوط تؤثر حتى في الطريقة التي ينظم بها الشباب احتجاجاتهم، إذ تشجع على اعتماد حملات قصيرة وشبكات غير مركزية وأساليب تواصل تقلل من ظهور القيادات، لكنها تجعل الحفاظ على التعبئة والتفاوض حول المطالب أكثر صعوبة.
وفي المقارنة مع تونس، خلصت الدراسة إلى أن تشابه الأسباب الاقتصادية والاجتماعية للاحتجاج في البلدين لم يؤد إلى نتائج سياسية متماثلة، بسبب اختلاف طبيعة المؤسسات وأساليب تعامل السلطات مع التحركات الشبابية.
وأشارت إلى أن تونس شهدت اتساعا في مجال المشاركة السياسية بعد ثورة 2011، قبل أن تتراجع تلك المكاسب مع تركيز السلطة بيد الرئيس قيس سعيد منذ يوليو 2021، بينما حافظ المغرب على نمط أكثر استقرارا يقوم على الإصلاحات الانتقائية والاحتواء والرقابة.
ورأى الباحث أن التجربتين تظهران أن البطالة والتفاوت الاجتماعي وفقدان الثقة في المؤسسات تفسر دوافع الاحتجاج، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير نجاح الحركات في تحقيق مطالبها، لأن النتائج تتوقف بدرجة كبيرة على مدى انفتاح المؤسسات واستجابتها وقدرة المحتجين على الاستمرار والتنظيم.
وخلص إلى أن التعبئة عبر الإنترنت وسعت مجال المشاركة السياسية أمام الأجيال الجديدة، لكنها لم تعوض الحاجة إلى تنظيم ميداني مستمر وقنوات مؤسساتية تتيح تحويل المطالب إلى قرارات.
ودعت الدراسة إلى معالجة أسباب التهميش الاقتصادي والاجتماعي وتوسيع فرص المشاركة السياسية للشباب، معتبرة أن استمرار الفجوة بين التعبئة الاحتجاجية والتأثير في المؤسسات يحد من قدرة الحركات الشبابية على تحقيق تغييرات مستدامة.
واعتمد الباحث في دراسته مراجعة مقارنة لأبحاث وتقارير أكاديمية ومؤسساتية سابقة، ولم يجر استطلاعا ميدانيا جديدا، كما أقر بأن جزءا من الأدبيات التي استند إليها تناول الشباب عموما دون حصر النتائج في جيل زد.

