هذه المحاولة ليست بديلاً عن كتاب “حياكة الزمن السياسي في المغرب”، ولا تسعى لمضاهاة جهد استغرق سنوات من البحث، بل هي مجرد مشاغبة نقدية لنسيجه النظري. من خلال استعارة مضادة، تقرأ كيف تحولت “السجادة السياسية” التي نسجها المخيال الإمبراطوري إلى “دربالة ترقيعية” رقمية، تكشف عن انسداد السياسة في زمن الخوارزمية.
بين دهاء الحياكة وصرامة الخوارزمية، يتأرجح المشهد السياسي المغربي بين فن السجاد الذي يستوعب التناقضات ودربالة ترقيعية تخفي العجز. هذه المحاولة تحاور أطروحة هيبو وطوزي حول مخيال الدولة، لتكشف كيف تحولت الحياكة التاريخية إلى فخ رقمي يهدد السياسة بالانسداد.
البراديغم البديل: الدولة كحائك عبقري
يعد كتاب بياتريس هيبو ومحمد طوزي “حياكة الزمن السياسي في المغرب: مخيال الدولة في العصر النيوليبرالي” (2020) مغامرة إبستمولوجية طموحة، تسعى لتجاوز ثنائيات العلوم السياسية التقليدية (سلطوية/ديمقراطية) لصالح براديغم “الحياكة”. فالكتاب لا يسعى لوصف جغرافيا سياسية جامدة، بل ينطلق من قناعة منهجية ترى أن “النموذج المثال ليس لا بتمثل ولا هو برسم خطاطة للواقع، إنه بالأحرى بناء ذهني فكري يساعد على التفكير والتحليل”. ومن هذا المنطلق البنائي، تتحول الدولة إلى حائك عبقري يفتل الماضي الإمبراطوري مع مقتضيات الدولة الأمة والعصر لإنتاج استمرارية تاريخية فريدة.
المخيال كـ “نحوٍ” للسلطة
لم يكتفِ العمل برصد المؤسسات، بل غاص في المناطق الرمادية التي تمنح الدولة سُمكها الاجتماعي، معتبراً أن “المخيال هو لغة، ولسان يُتداول عبره المعنى… إنه النحو الذي يسمح بتعبئة سجلات فعل وفهم ورؤى للعالم”. هذا “النحو” الرمزي هو الذي يملأ الفراغات المؤسساتية، ويسمح للسلطة بالتسلل إلى اليومي والجسدي، محولاً التقليد من مجرد “عتاقة” إلى إستراتيجية حية لإدارة الزمن والولاءات.
إن سلطة المخيال هنا لا تتأسس على فرض الطاعة، بل على قدرته العجيبة على احتلال المساحات الفاصلة بين الحاكم والمحكوم؛ فالمخيال الإمبراطوري يشتغل كـ “سلطة ناعمة” تعيد تشكيل الزمن لجعله يبدو أزلياً وغير قابل للاختراق. لكن الإشكال الراهن يكمن في أن هذا المخيال بدأ يفقد قدرته على “الإغواء”، إذ تحولت السلطة من صناعة المعنى والرموز التي تملأ الوجدان، إلى مجرد تدبير تقني جاف. وحين يكف المخيال عن كونه “سلطة جامعة” و”نحواً للفعل”، فإنه يتحول إلى غطاء هش، يشبه خيوط الدربالة التي تستر الجسد لكنها تعجز عن بعث الدفء في الروح السياسية للجماعة.
يتجلى هذا التحول بوضوح في سياسات ‘الاستهداف الرقمي’ (مثل السجل الاجتماعي الموحد)؛ حيث لم تعد الدولة تطمح لإقناع المواطن بشرعيتها عبر ‘الحكاية’ أو المخيال المشترك، بل عبر ‘المؤشر الرقمي’. هنا، تتحول السياسة الاجتماعية من ‘منسج’ للتكافل والولاء إلى ‘خوارزمية’ تقصي وتمنح بناءً على معايير تقنية جافة، مما يحوّل الدولة من ‘حامٍ إمبراطوري’ إلى ‘مدير بيانات’ لا يرى في المجتمع سوى أرقام إحصائية.
الهيمنة عوض العنف: الشرعية الطوعية
في قلب هذا التحليل، نجد إعادة قراءة راديكالية للعنف السياسي؛ فالكتاب ينتصر لأطروحة المدرسة الوطنية (جرمان عياش وأحمد توفيق) التي ترى أن “الدولة المغربية لم تكن قائمة على العنف فقط، بل كانت تقوم بملء وظائف وطنية واجتماعية لازمة لحياة البلاد، وكانت ليست مقبولة فحسب من لدن السكان، بل مساندة من لدنهم”. ومن خلال هذه “المساندة”، تتحول الشرعية من إكراه مادي إلى هيمنة رمزية، حيث يصبح “دهاء الحياكة” هو القدرة على الإقناع بضرورة الدولة لضمان التوازن والانسجام الإمبراطوري.
وهنا تبرز الهيمنة في أقصى تجلياتها، ليس كفعل إكراه، بل كـ “فن للاحتواء” يجعل الفاعلين ينخرطون في اللعبة السياسية حتى وهم يدركون ثغراتها. فالدولة-الحائك لا تُقصي خصومها، بل تسعى لدمجهم في نسيجها عبر خيوط من المصالح والتمثلات المتبادلة. غير أن هذه الهيمنة التقليدية، المبنية على دهاء التفاوض، بدأت تخلي مكانها لـ “هيمنة خوارزمية” لا تتفاوض، بل تصنّف. هذا الانتقال من الهيمنة القائمة على “المساندة الطوعية” إلى هيمنة “الضبط الرقمي” هو ما أدى إلى تآكل خيوط الحرير التي كانت تربط المجتمع بالدولة، ليحل محلها رتق تقني باهت يفتقر لعمق الهيمنة التاريخية وجاذبيتها.
شتان بين ‘دهاء الحياكة’ في لحظات التأسيس (كعهد الاستقلال وبناء الدولة الوطنية)، حيث كانت السلطة تتقن فن ‘الرسم والفتل’ بين النخب والقبائل والزوايا لضمان الإجماع، وبين ‘صرامة الخوارزمية’ اليوم. قديماً، كان ‘الزمن السياسي’ يُدار بنفَس طويل يترك مجالاً للمناورة والتفاوض؛ أما اليوم، فإن ‘الكود الرقمي’ يفرض إيقاعاً فورياً لا يقبل التأويل، مما أفقد الدولة قدرتها على المناورة وحوّل فعل الحكم إلى مجرد ‘برمجة’ تقنية تخلو من مرونة الحياكة التاريخية.
من “المنسج النظري” إلى “دربالة الواقع”
غير أن هذه القوة المفاهيمية التي يطرحها طوزي وهيبو تصطدم اليوم بواقع سياسي بدأ يفرط في “فن الحياكة” لصالح “صرامة الخوارزمية”. فبقدر ما يؤكد الكتاب على المخيال كلسان للمعنى، يبدو الواقع الراهن وكأنه يفقد لغته السياسية لفائدة لغة الأرقام والبيانات الأمنية الباردة. إن الدولة التي كانت تُحاك خيوطها بالتفاوض والرموز، أصبحت اليوم “ترتق” شقوقها بـ “رقع تقنية” استعجالية؛ وهو ما يحول “السجادة الإمبراطورية” الفاخرة إلى ما يشبه “دربالة المجذوب”.
في هذا المشهد، يتحول المخيال من “نحوٍ للفعل” إلى “قناع للعجز”؛ حيث يتم استحضار “هيبة الحرير” التاريخي لتغطية “بلاستيك الأمن” المعاصر. والنتيجة هي “ثوب هجين” (دربالة) يستر الجسد السياسي لكنه يفتقد للانسجام الروحي والمشروع الوطني الجامع. فالثمن الذي يُدفع مقابل “عبقرية البقاء” هو موت السياسة الحقيقية وتحول المجتمع إلى مجرد بيانات رقمية في سجلات الدعم المرقمنة، بعيداً عن “المنسج البشري” الذي طالما منح المغرب استثناءه وتوازنه.
إن أخطر ما في هذا التحول هو فقدان ‘الدفء السياسي’؛ إذ لم يعد المواطن شريكاً في ‘سجادة’ وطنية تُحاك خيوطها بالتوافق، بل أصبح ‘ملفاً’ في خادم مركزي. في زمن الخوارزمية، يُنتزع عن الإنسان سُمكه السوسيولوجي وتاريخه النضالي، ليُختزل في ‘نقطة’ (Score) تُحدد حقوقه والتزاماته. هذا الاختزال هو الذي حوّل المخيال من ‘لسان للمعنى’ إلى ‘قناع للعجز’، حيث تستر ‘الدربالة الرقمية’ برداً اجتماعياً قارساً ناتجاً عن غياب الوساطة البشرية.
خلاصة القول، إن ما اعتبره هيبو وطوزي دهاءً في الحياكة، قد لا يكون اليوم سوى غطاء لانسداد تاريخي؛ حيث تخفي الدربالة الرقمية حقيقة أن المنسج البشري قد توقف، وأن السياسة أصبحت تُدار بـ ‘الرتق’ لا بالتعاقد، وأنه في زمن الخوارزمية، يُنتزع عن الإنسان سُمكه السوسيولوجي وتاريخه النضالي، ليُختزل في ‘نقطة’ تحدد حقوقه والتزاماته بصرامة الكود لا بدهاء الحياكة.

