أعلنت الحكومة الإسبانية، الأربعاء، إنهاء مهام سفيرتها لدى إسرائيل، آنا ماريا سالومون بيريث، وتخفيض مستوى تمثيلها الدبلوماسي في تل أبيب إلى درجة قائم بالأعمال.
ويأتي هذا القرار بموجب مرسوم نُشر في الجريدة الرسمية، في خطوة تعكس تدهورا مستمرا في العلاقات الثنائية، وتتزامن مع توترات إقليمية متصاعدة وتباينات حادة بين مدريد وشركائها الغربيين حول مسار النزاع في الشرق الأوسط.
وأكد مصدر مسؤول في وزارة الخارجية الإسبانية أن السفارة الإسبانية في إسرائيل ستُدار في المرحلة المقبلة من قبل قائم بالأعمال، دون أن يحدد موعداً محتملاً لتعيين سفير جديد.
ولم يتضمن النص الرسمي للمرسوم تعليلاً مباشراً لإنهاء المهام، لكنه يأتي كتتويج لمسار طويل من الاحتكاكات الدبلوماسية بين البلدين منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة.
وتجد مدريد نفسها حالياً في موقع متمايز داخل المعسكر الغربي، بعد أن تبنت مواقف علنية رافضة للتصعيد العسكري.
وشملت هذه المواقف فرض قيود على استخدام القواعد العسكرية المشتركة مع الولايات المتحدة في الأراضي الإسبانية، خاصة فيما يتعلق بالعمليات الجوية واللوجستية المرتبطة بالرد على إيران.
وأثارت هذه الخطوات انتقادات من واشنطن التي اعتبرت أن غياب التعاون الإسباني يؤثر سلباً على كفاءة العمليات المشتركة في المنطقة.
ويندرج إنهاء مهام السفيرة ضمن إعادة تموضع دبلوماسي أوسع، تسعى من خلاله الحكومة الإسبانية الائتلافية برئاسة بيدرو سانشيز إلى مواءمة تمثيلها الخارجي مع خطابها السياسي.
وكانت إسبانيا من أبرز الدول التي قادت حراكاً داخل الاتحاد الأوروبي لتشديد الضغوط السياسية والاقتصادية على الحكومة الإسرائيلية، مطالبة بمراجعة اتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية، وداعية إلى وقف إطلاق النار الفوري وإدانة الهجمات على غزة، فضلاً عن رفضها القاطع لخطط “الضم” في الضفة الغربية المحتلة.
وشهدت العلاقات الثنائية بين مدريد وتل أبيب محطات توتر علنية متتالية خلال الأشهر الماضية. ففي منتصف العام الماضي، استدعت الخارجية الإسرائيلية السفيرة سالومون بيريث لتوجيه توبيخ رسمي، إثر تصريحات لرئيس الحكومة الإسبانية وصف فيها العمليات العسكرية الإسرائيلية بأنها “إبادة جماعية”، مؤكداً أن بلاده “لن تتاجر بالأسلحة مع دولة تنتهك القانون الدولي”.
وأعقب ذلك إعلان مدريد تعليق تراخيص تصدير الأسلحة، وإلغاء عقود تسليح بملايين اليوروهات مع شركات إسرائيلية لتزويد القوات الإسبانية بالذخيرة. كما واجهت حكومة سانشيز ضغوطاً داخلية مكثفة، لا سيما من شركائها في الائتلاف اليساري، حيث طالبت نائبة رئيس الحكومة يولاندا دياز مراراً بالسحب الفوري للسفيرة وقطع العلاقات الدبلوماسية بالكامل، رداً على استمرار استهداف المدنيين.
وتدهورت العلاقات بشكل إضافي أواخر العام الماضي، إثر منع السلطات الإسرائيلية وزراء إسبان من الدخول إلى الأراضي الفلسطينية عبر المعابر التي تسيطر عليها، وهو ما دفع مدريد حينها إلى استدعاء سفيرتها للتشاور، قبل أن يتم الإعلان عن إنهاء مهامها بشكل رسمي ونهائي وفق المرسوم الأخير.
ويتزامن التخفيض في مستوى التمثيل الدبلوماسي مع تحركات مؤسساتية إسبانية مكثفة لمواكبة التدهور الأمني في الشرق الأوسط. فقد ترأس وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، في الأول من مارس الجاري، اجتماعاً استثنائياً مع سفراء إسبانيا المعتمدين في دول المنطقة، لتقييم الوضع الميداني وتحليل التداعيات المحتملة على المصالح الإسبانية.
وبالتوازي مع ذلك، أعلنت وزارة الخارجية الإسبانية تفعيل خلية أزمة تعمل على مدار الساعة، بهدف متابعة أوضاع المواطنين الإسبان المتواجدين في مناطق النزاع، وتنسيق خطط الإجلاء المحتملة في حال اتساع رقعة المواجهات الشاملة وتوقف حركة الطيران المدني بالكامل.
ويعكس هذا التحرك قناعة لدى صناع القرار في مدريد بأن التوتر الحالي يمثل أزمة هيكلية تتطلب جاهزية قصوى وإعادة هيكلة شاملة لأدوات العمل الدبلوماسي الإسباني.
ويمنح اختيار إدارة البعثة الدبلوماسية في تل أبيب عبر قائم بالأعمال الحكومة الإسبانية هامش مناورة سياسياً أوسع. وتتيح هذه الصيغة إبقاء قنوات الاتصال التقنية والقنصلية مفتوحة مع إسرائيل لضمان رعاية مصالح المواطنين الإسبان، دون منح العلاقة الثنائية الزخم السياسي والبروتوكولي الذي يمثله وجود سفير معتمد ومقيم.
ويأتي هذا التطور ليؤكد التزام مدريد بخطها الدبلوماسي الصارم، في لحظة تختلط فيها الحرب الإقليمية بحسابات السياسة الداخلية والالتزامات الأوروبية، مما يجعل القرار الإسباني الأخير محطة فارقة في مسار العلاقات الأوروبية الإسرائيلية، ويضع ضغوطاً إضافية على العواصم الغربية لتحديد مواقفها بوضوح أكبر تجاه سياسات حكومة بنيامين نتنياهو.

