تثير موجة غير مسبوقة من الإشاعات المتداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي حول عمليات اختطاف مزعومة تستهدف الأطفال، حالة من الذعر والترقب داخل الأسر المغربية، في موازاة نفي رسمي وأمني قاطع لوجود أي شبكات إجرامية منظمة من هذا القبيل، ودعوات مؤسساتية للحد من تناقل المحتويات المضللة.
وتناقلت تطبيقات التراسل الفوري، لاسيما “واتساب”، إلى جانب مجموعات مغلقة على موقع “فيسبوك”، خلال الأيام الماضية، سيلا من المذكرات الصوتية ومقاطع الفيديو والمنشورات المكتوبة.
وتحذر هذه المواد من عصابات مجهولة الهوية تنشط في محيط المؤسسات التعليمية والأحياء السكنية، بغرض استدراج التلاميذ والاتجار بأعضائهم البشرية.
وأسفر هذا الضخ الرقمي المكثف عن خلق هلع مجتمعي ملموس، دفع قطاعا واسعا من أولياء الأمور إلى تغيير ترتيبات مرافقة أبنائهم، وفرض حالة استنفار ذاتي وسط تناسل الروايات غير المؤكدة.
وفي مواجهة هذا التدفق، سارعت المديرية العامة للأمن الوطني إلى تطويق الإشاعة ببيانات تفنيد متتالية ومفصلة. وأكدت المديرية، استنادا إلى تقييم شامل لسجلاتها المركزية والجهوية، عدم تسجيل أي حالة اختطاف مرتبطة بشبكات استئصال أو تجارة الأعضاء.
وأوضحت أن المنظومة الوطنية للتبليغ عن المحتوى غير المشروع “إبلاغ”، وكذا نظام الإنذار المبكر باختفاء الأطفال “طفلي مختفي”، المعتمدين كآليتين للرصد والتتبع المؤسساتي، لم يتلقيا أي إشعارات أو شكايات تتقاطع مع هذه الادعاءات الرقمية.
وكشفت الخبرات التقنية التي باشرتها مختبرات تحليل الآثار الرقمية التابعة للشرطة، أن جل المواد البصرية المروجة قديمة أو مقتطعة من سياقها الأصلي.
وبينت التحقيقات أن مقاطع فيديو قدمت كأدلة على عمليات الاختطاف، قد صورت في الواقع خارج التراب المغربي، وجرت دبلجتها أو إرفاقها بتعليقات صوتية مضللة للإيهام بوقوعها محليا، في استنساخ لظواهر تضليل رقمي عابرة للحدود.
ولم تقتصر الموجة على المواد المجهولة، بل امتدت لتتخذ طابعا مؤسساتيا مزيفا، مما استدعى تدخلا مباشرا من وزارة الداخلية.
ونفت الوزارة بشكل قاطع، في بلاغ رسمي، صحة مراسلة مفبركة تحمل ترويستها الإدارية، جرى تداولها على نطاق واسع، تزعم توجيه تحذيرات للمصالح الترابية والأمنية من “ظاهرة اختطاف الأطفال”.
واعتبرت الوزارة الوثيقة مزورة كليا، محذرة من التبعات القانونية المترتبة عن اختلاق وتداول وثائق رسمية تهدف إلى تضليل الرأي العام.
ميدانيا، كشفت التدخلات الأمنية آلية تحول وقائع عرضية إلى حالة ذعر جماعي. ففي مدن مثل طنجة والعرائش وتاونات وأكادير والدار البيضاء، باشرت المصالح الأمنية تحقيقات فورية في منشورات ادعت اختفاء قاصرين.
وخلصت الأبحاث في مجمل هذه الحالات إلى أن الأمر يتعلق إما بمغادرة طوعية لمقرات السكن بسبب خلافات عائلية، حيث جرى العثور على المتغيبين في أوقات وجيزة وتسليمهم لأسرهم، أو ببلاغات وهمية.
وفي حالات أخرى، ثبت أن الأمر لا يتعدى سوء تفسير لتصرفات اعتيادية لأشخاص في الشارع العام، جرى تصويرهم والتشهير بهم كخاطفين مفترضين.
وتشدد المعطيات الرسمية على أن الخطر الفعلي المحدق حاليا لا يتعلق بوجود شبكات اختطاف حقيقية، بل بالآثار المدمرة لانتشار المحتويات المضللة.
وأورد بلاغ أمني في هذا الصدد تأكيدا صريحا بأن هذه المنشورات “تفتقد للدقة، وتندرج ضمن الأفعال المجرمة قانونا لما تسببه من مساس خطير بالإحساس بالأمن العام”.
ويبرز الأثر المباشر لهذه الموجة في الارتباك العميق الذي خلفته داخل المشهد المجتمعي. ففي غياب أي سند جنائي للروايات المتداولة، يتحول الهلع الذي تصنعه آلة الإشاعة إلى مهدد حقيقي للسكينة العامة والاستقرار النفسي للمواطنين، مما يعرقل السير العادي في محيط المدارس والفضاءات المشتركة.
ودفع هذا الوضع السلطات القضائية إلى إعطاء تعليماتها للفرق الأمنية المختصة في الجرائم السيبرانية لمباشرة أبحاث تقنية دقيقة، تروم تحديد هويات المتورطين في فبركة وترويج هذه المواد تمهيدا لتقديمهم للعدالة.

