وضع باحثون مغاربة، الاثنين بالرباط، الإرث الأندلسي في سياقه التاريخي المرتبط بالمغرب، معتبرين أن الأندلس لم تكن مجرد فضاء حضاري منقطع، بل امتدادا لتفاعل سياسي وثقافي وبشري عبر مضيق جبل طارق، منذ الفتح الإسلامي إلى موجات الهجرة الأندلسية والموريسكية نحو المغرب.
وجاء ذلك خلال ندوة نظمت في إطار الدورة الحادية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب، حول موضوع “الأندلس: إرث حضاري مشترك بين المغرب والعالم”، بمشاركة أكاديميين وباحثين في الدراسات الإسبانية والأندلسية.
وركزت الندوة على مرحلتين أساسيتين في تاريخ الأندلس: مرحلة الوجود الإسلامي إلى سقوط غرناطة سنة 1492، ثم المرحلة اللاحقة التي انتقل فيها جزء من هذا الإرث إلى المغرب، عبر العلماء والكتابة والعمارة والموسيقى والحرف وموجات الاستقرار في عدد من المدن المغربية.
وقال الأستاذ الفخري بجامعة محمد الخامس وعضو أكاديمية المملكة المغربية، أحمد شحلان، إن العلاقة بين المغرب والأندلس علاقة “تاريخية وفكرية وثقافية”، مستعرضا بدايات الوجود الإسلامي في الأندلس ومسار ازدهارها العلمي والفكري.
ولم يكن حضور المغرب في تاريخ الأندلس عارضا. فالفتح الإسلامي لشبه الجزيرة الإيبيرية انطلق، سنة 711، من الضفة المغربية، بمشاركة عربية وأمازيغية واسعة. وبعد قرون، عاد المغرب إلى التأثير المباشر في مصير الأندلس عبر الدولتين المرابطية والموحدية.
فبعد سقوط طليطلة سنة 1085، تدخل يوسف بن تاشفين في الأندلس وانتصر في معركة الزلاقة سنة 1086، ما أوقف التقدم القشتالي في مرحلة دقيقة. ولاحقا، جعل الموحدون من المجال الممتد بين المغرب والأندلس فضاء سياسيا واحدا، في وقت كانت مدن مثل مراكش وإشبيلية وقرطبة وغرناطة تتبادل التأثير في العمران والفكر والصنائع.
واستحضر شحلان، في هذا السياق، أسماء من قبيل ابن حزم وابن رشد وابن طفيل، باعتبارهم من الوجوه التي جعلت الأندلس مركزا فكريا مؤثرا في تاريخ الحضارة الإنسانية، لا مجرد مرحلة سياسية في تاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية.
غير أن الندوة لم تقف عند لحظة السقوط. فقد أبرز الأستاذ الجامعي والعضو بأكاديمية اللغة الإسبانية، الحسين بوزينب، أن الإرث المغربي الأندلسي تجاوز اللغة والدين والأدب، مشيرا خصوصا إلى النصوص الإسبانية المكتوبة بالحرف العربي، المعروفة بالأعجمية الموريسكية.
وتكشف هذه الكتابات، وفق بوزينب، استمرار الثقافة العربية الإسلامية داخل الأوساط الموريسكية بعد نهاية الحكم الإسلامي، كما تبرز تحولات عميقة مست اللغة والكتابة والذاكرة، قبل أن تصبح اليوم مادة بحثية تحتاج إلى مزيد من التحقيق والدراسة.
وتعد الأعجمية الموريسكية من الشواهد الدقيقة على المرحلة الأخيرة من الوجود الإسلامي الثقافي في الأندلس. فهي لم تكن عربية خالصة، ولا إسبانية مألوفة، بل صيغة انتقالية تكشف محاولة جماعات موريسكية الحفاظ على جزء من ذاكرتها الدينية والثقافية داخل واقع سياسي وديني متحول.
من جهته، قال الباحث الأكاديمي والخبير في الدراسات الأندلسية والاستعراب الإسباني، محمد العمارتي، إن فضل المغرب على الأندلس كان “كبيرا للغاية”، مبرزا أن هذا الإسهام بدأ منذ الفتح الإسلامي، واستمر عبر تشبث المغاربة بالأندلس، قبل أن يتحول المغرب، بعد سقوط غرناطة، إلى ملاذ للأندلسيين.
واستقر عدد من هؤلاء الوافدين في تطوان وشفشاون والرباط وفاس وسلا ومدن أخرى. ولم يحملوا معهم ذاكرة الهزيمة فقط، بل نقلوا أنماطا في البناء، والحرف، والموسيقى، واللباس، والكتابة، والتدبير الحضري. وبذلك، لم تنته الأندلس بسقوط غرناطة، بل أعيد إنتاج جزء من إرثها داخل المجال المغربي.
وتظل تطوان من أوضح النماذج على هذا الامتداد، بعدما أعاد مهاجرون أندلسيون تشكيل جزء من نسيجها العمراني والاجتماعي. كما احتفظت فاس والرباط وسلا وشفشاون بآثار متفاوتة لهذا الحضور، في الموسيقى الأندلسية، والصنائع التقليدية، والذاكرة الحضرية.
وتندرج هذه الندوة ضمن سلسلة لقاءات تنظم على هامش المعرض الدولي للنشر والكتاب، الذي تتواصل فعالياته إلى غاية 10 ماي، بمشاركة 891 عارضا يمثلون المغرب و60 بلدا، وتحل فيه فرنسا ضيف شرف.
وبقدر ما أعادت الندوة طرح الأندلس كإرث مشترك، فإنها شددت أيضا على أن هذا الإرث لا يمكن قراءته خارج الدور المغربي، سواء في نشأته السياسية الأولى، أو في لحظات الدفاع عنه، أو في احتضان مكوناته البشرية والثقافية بعد سقوطه.

