بشارع مولاي إسماعيل في قلب العاصمة الرباط، حيث يقع المقر الإداري المركزي لبريد المغرب، لا شيء يبدو خارج المألوف للوهلة الأولى.
مبنى هادئ يختزل عقودا من التاريخ الإداري للدولة. لكن خارج هذه الجدران البيضاء، يتحرك تحول لافت. عربات كهربائية صغيرة، تحمل شعار المؤسسة، تنطلق كل صباح لتوزيع البريد دون قطرة وقود، في مشهد يلخص بداية صفحة جديدة لمؤسسة وطنية قررت أن تعانق المستقبل بصيغة خضراء.
فالمؤسسة التي رافقت مسيرة المغرب من البريد الورقي إلى الخدمات الرقمية، تضع اليوم بصمتها في المجال البيئي، وتتحول إلى أول مرفق عمومي يعتمد توزيعا حضريا نظيفا، بمركبات كهربائية بالكامل، في تجربة غير مسبوقة على المستوى الوطني.
طرود تسلم دون انبعاثات
من الدار البيضاء إلى طنجة، ومن فاس إلى مراكش، يتلقى الزبناء اليوم طرودهم عبر مركبات صامتة، لا تحدث ضجيجا ولا تخلف وراءها عوادم.
فمنذ إدخال طراز “سيتروين آمي” إلى أسطولها سنة 2022، شرعت مؤسسة بريد المغرب في تجريب مقاربة جديدة للتوزيع، تقوم على مركبات كهربائية صغيرة وخفيفة، بمدى يصل إلى 70 كيلومترا، وسرعة لا تتجاوز 45 كيلومترا في الساعة.
“الفرق كبير”، يقول سفيان، موزع بريد بالدار البيضاء، المركبة تمكننا من التنقل بسهولة، لا تتسبب في أي إزعاج، ونشحنها في أقل من ثلاث ساعات.
وبلغ عدد المركبات الفعالة 225، مع خطة مبرمجة لإضافة 651 دراجة كهربائية خلال عامين، بهدف تغطية جميع عمليات التوزيع الحضري بالطاقة النظيفة في أفق سنة 2026.
هذا التحول لا يتعلق فقط بالنقل، بل بإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والمرفق العمومي، خدمات أسرع، أنظف، وأكثر ملاءمة لتحولات العصر.
بريد الدولة في ثوب جديد
لأجيال من المغاربة، ظل البريد مرادفا للثقة والسيادة. مكاتبه كانت أول تجليات الدولة في البوادي والمداشر، ورسائله تربط الإدارة بالمواطن، وتوزع المراسلات الرسمية وتؤمن الوثائق الحيوية.
لكن في زمن التوصيل الرقمي والمنافسة الخاصة، وجدت مؤسسة بريد المغرب نفسها أمام معادلة صعبة، الحفاظ على الهوية الوطنية، واللحاق بإيقاع السوق.
الجواب جاء من الداخل، عبر تحديث النموذج التشغيلي دون التفريط في الإرث الرمزي. فاختيار العربات الكهربائية لم يكن فقط خيارا تكنولوجيا، بل إعلانا بأن الخدمة العمومية قادرة على الريادة، دون حاجة للضجيج الإعلامي أو التمويلات الأجنبية.
فكانت مكاتب البريد دوما حاملة لصوت الدولة، يشرح محلل إداري من الرباط، واليوم تحمل أيضا صوت البيئة، والكفاءة، والمواطنة الجديدة.
خدمة عمومية بروح الغد
في سلا، تتابع فاطمة، صاحبة متجر إلكتروني، وصول طرد عبر تطبيق بريد المغرب. الزبونة توصلت به في الوقت المحدد، والسائق أرسل إشعارا قبل الوصول… “هذا لم يكن يحدث من قبل”، تقول بابتسامة.
وراء هذه القفزة، هناك تحديثات مستمرة طالت البنية الرقمية للمؤسسة، تتبع لحظي، خدمات إلكترونية، شراكات مع منصات التجارة، وذكاء اصطناعي لتحديد المسارات المثلى.
لكن التحول لا يقتصر على التوزيع. فبريد المغرب وسع مهامه بشكل لافت خلال العقد الأخير، عبر إطلاق خدمات بنكية مواطنة من خلال بريد بنك، وتوفير حلول تحويل الأموال، وتوزيع الدعم الاجتماعي في المناطق النائية، إلى جانب تغطية شبكية في مناطق غير مشمولة بالخدمات المصرفية التقليدية.
ويشرح مسؤولون بالمؤسسة أن الزبون اليوم يتوجه إلى مكتب البريد ليحول، ويستلم، ويدفع، ويتتبع الطرود، ويتلقى إشعارات، ويستفيد من خدمة رقمية دون الحاجة إلى التنقل لمسافات. موضحين أن التحدي لم يعد مرتبطا بالسرعة فقط، بل بتجربة الزبون الشاملة.
بهذا التمدد، تتحول المؤسسة من ناقل تقليدي إلى فاعل خدماتي متكامل، يتقاطع فيه البعد الاجتماعي بالتكنولوجي، ويضع المواطن في صلب المعادلة.
مؤسسة تتنفس برئة جديدة
وفي وقت تتردد فيه مؤسسات أخرى في ولوج عصر البيئة الخضراء، اختارت بريد المغرب أن تقود القافلة بصمت. عرباتها الصغيرة لا ترفع شعارات، لكنها تنجز المهمة يوما بعد يوم، وتقدم نموذجا للمرفق العمومي المتجدد، أكثر ذكاء، أكثر قربا، وأكثر التزاما بالمستقبل.
المبادرة لم تكن تقنية فقط، بل جاءت ثمرة مقاربة مؤسساتية متكاملة. فقد تم تصنيع مركبات “سيتروين آمي” الكهربائية خصيصا لفائدة بريد المغرب بمصنع “ستيلانتيس” الواقع بالقنيطرة، في إطار شراكة استراتيجية تعكس توجه المغرب نحو سيادة صناعية مستدامة.
واعتبر وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، في تصريح سابق، أن هذه الخطوة تبرز قدرة المغرب على تطوير حلول عملية وابتكارية تستجيب لحاجيات مؤسساته العمومية، مضيفا أن بريد المغرب يبرهن اليوم على التزامه الفعلي بتنزيل السياسات العمومية التي تجمع بين النجاعة البيئية والخدمة المواطنة.
وفي بلد يراهن على الطاقات النظيفة لجذب الاستثمارات، تصبح مؤسسة البريد مرآة لهذا الطموح الوطني. فهي لا تمثل فقط خدمة توزيع، بل قصة مغربية عن قدرة الدولة على التحديث، من الداخل، وبأدواتها.
وعلى خطى هذه العربات الصغيرة، التي تعبر الأحياء بهدوء، تمضي مؤسسة بريد المغرب في طريقها الخاص، لا ترفع شعارات صاخبة، ولا تتوقف عند حدود الاعتراف السياسي، بل تختار أن تقنع الناس… بكل طرد، وبكل تجربة، وبكل صمت كهربائي يوقع على ورقة التغيير.

