مع اتساع رقعة المواجهة المفتوحة بين إيران والولايات المتحدة، وما يرافقها من تهديد مباشر وشلل متزايد لحركة الملاحة في مضيق هرمز، يطفو على السطح في العاصمة المغربية نقاش جيوسياسي قديم بصيغة أكثر إلحاحا.
وتطرح الرباط اليوم تساؤلا جوهريا: كيف يمكن تقليص تعرض إفريقيا وأوروبا لارتدادات أزمات الشرق الأوسط، ليس عبر الشعارات الدبلوماسية، بل من خلال بناء مسارات بديلة وملموسة للطاقة والعبور.
وفي هذا السياق الإقليمي المحتقن، يبرز في الطرح المغربي رهان استراتيجي مزدوج، يقوم بالأساس على مشروع “أنبوب الغاز النيجيري-المغربي” من جهة، و”المبادرة الأطلسية” من جهة أخرى.
وتقدم الدبلوماسية المغربية هذين المشروعين ليس فقط كمبادرات اقتصادية، بل كأدوات سيادية تهدف إلى نقل جزء كبير من الثقل الاستراتيجي من الممرات الشرقية المضطربة إلى الواجهة الأطلسية الإفريقية التي تتسم بقدر أكبر من الاستقرار.
أرقام تعكس هشاشة الممرات التقليدية
تشير المعطيات الميدانية إلى أن الأزمة الراهنة في الشرق الأوسط تجاوزت حدود التوتر السياسي التقليدي لتلامس عصب الاقتصاد العالمي. فقد نقلت مصادر ملاحية متطابقة أن طهران قامت بزرع نحو 12 لغما بحريا في مضيق هرمز، في حين أعلنت واشنطن تدمير 16 زورقا مخصصا لزرع الألغام.
وفي خطوة غير مسبوقة تعكس فداحة الوضع، أبلغت البحرية الأميركية القطاع الملاحي بأن مواكبة السفن التجارية في المضيق “غير ممكنة حاليا”.
وتزامنا مع ذلك، تعرضت سفن تجارية لهجمات متفرقة في الممر البحري، في تطور أعاد إلى الواجهة العالمية مدى هشاشة أحد أهم الشرايين التي تعبر منها تجارة الطاقة.
وتكمن خطورة اختناق مضيق هرمز في لغة الأرقام قبل الحسابات السياسية، إذ تؤكد الوكالة الدولية للطاقة أن نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرا تمر عادة عبر هذا المضيق، إلى جانب ما يقارب خُمس صادرات الغاز الطبيعي المسال في العالم.
وتحذر تقارير دولية من أن تعطلا ممتدا للملاحة هناك لن تقتصر تداعياته على الأسواق الآسيوية وحدها، رغم أنها الوجهة الأولى لغاز الخليج، بل سيؤدي إلى رفع الأسعار عالميا ويدفع المستوردين، بمن فيهم الأوروبيون، إلى الدخول في مزاحمة أشد شراسة على الشحنات الفورية المتاحة.
وفي عام 2025، لم تتجاوز حصة القارة الأوروبية 7 بالمئة من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز، لكن ترابط الأسواق العالمية يجعلها معرضة بقوة للصدمة السعرية إذا ما استمر اختناق المضيق.
الأنبوب النيجيري-المغربي.. هندسة طاقية تتجاوز الجغرافيا
في هذا المناخ المطبوع باللايقين، يستعيد المغرب منطقه الاستراتيجي الذي دافع عنه منذ سنوات في المحافل الدولية. ويقوم هذا المنطق على مبدأ أن تقليص الارتهان للطاقة المشرقية لا يعني بالضرورة تعويض إمدادات الخليج بشكل كامل وفوري، بل يعني توسيع البدائل وتنويع مسارات التوريد. ومن هنا تبرز الأهمية القصوى لأنبوب الغاز النيجيري-المغربي في الرؤية الاستراتيجية للرباط.
ووفقا للمعطيات الرسمية، يمتد هذا الأنبوب الضخم على مسافة تفوق 6000 كيلومتر، بقدرة نقل تتراوح بين 15 و30 مليار متر مكعب سنويا، مستهدفا 13 بلدا إفريقيا وسوقا واعدا يضم نحو 400 مليون نسمة.
وتكمن أهمية هذا المشروع، من منظور صانع القرار المغربي، في أنه لا يقدم فقط مسارا محتملا وآمنا لإمداد القارة الأوروبية بالطاقة مستقبلا، بل يؤسس لبنية غازية إقليمية مندمجة على طول الساحل الغربي الإفريقي، مما يسمح بتقليص هشاشة دول غرب إفريقيا أمام صدمات الإمداد وتقلبات الأسعار.
ولا يتعلق الأمر هنا بخط أنابيب معزول في الخريطة، بل برؤية متكاملة. فقد حاول المغرب، خلال العام 2025، الدفع في اتجاه بناء بنية استقبال وربط داخلية متطورة، عبر مشروع محطة للغاز الطبيعي المسال قرب مدينة الناظور وربطها بالأنبوب القائم مع إسبانيا وبالمناطق الصناعية في الشمال الغربي للمملكة.
ورغم أن وزارة الانتقال الطاقي المغربية علقت في شباط/فبراير 2026 طلبات العروض الخاصة بمحطة الغاز وبعض الخطوط المرتبطة بها، إلا أن هذا التعثر لا يلغي الاتجاه العام للمملكة. بل يوضح للمراقبين أن الرهان المغربي ما زال رهانا استراتيجيا متوسط المدى، يبني للمستقبل، وليس مجرد أداة ترقيعية لامتصاص صدمة آذار/مارس 2026 بشكل فوري.
المبادرة الأطلسية.. عمق جيوسياسي وفك لعزلة الساحل
يشكل “الولوج الأطلسي” الشق الثاني والمكمل في المقاربة المغربية، وهي مبادرة استراتيجية أطلقها الملك محمد السادس تهدف إلى تسهيل وصول دول منطقة الساحل الحبيسة إلى المحيط الأطلسي، عبر وضع البنية التحتية والشبكة اللوجستية والموانئ المغربية رهن إشارتها.
وفي الخطاب الرسمي للرباط، تقدم هذه المبادرة باعتبارها رافعة لتنمية دول الساحل التي تعاني من توترات أمنية واقتصادية.
وفي ظرف إقليمي تهتز فيه الممرات الشرقية وتتزايد فيه التهديدات في البحر الأحمر وباب المندب، يكتسب الطرح المغربي معنى جيوسياسيا إضافيا. إذ لا يقتصر هدفه اليوم على فك عزلة دول الساحل الإفريقي، بل يمتد لخلق منفذ بحري وبري بديل للتجارة وسلاسل الإمداد بعيدا عن الاختناقات القادمة من بؤر التوتر المشرقية.
وهنا تحديدا يتقاطع المشروعان بشكل يخدم السردية المغربية. فأنبوب الغاز النيجيري يمنح الواجهة الأطلسية مادة طاقية صلبة ومطلوبة عالميا، بينما تمنح المبادرة الأطلسية هذا الأنبوب عمقه الجغرافي والسياسي اللازمين لضمان استدامته وأمنه.
التقاطع الاستراتيجي والبراغماتية المغربية
وبهذا المعنى، تنجح الرباط في عدم تقديم نفسها كبديل فوري وسحري عن الخليج، بل تتموضع ببراغماتية كعقدة ربط استراتيجية مستقرة بين غرب إفريقيا وأوروبا، وبين دول الساحل والمحيط الأطلسي، في لحظة تاريخية تتزايد فيها كلفة الاعتماد على نقاط عبور ضيقة ومهددة عسكريا. إنها مقاربة تعتمد على نقل جزء من مركز الثقل الاقتصادي الإفريقي نحو المحيط الأطلسي، بدلا من البقاء تحت رحمة انفراج الأزمات المشرقية المتكررة.
وبالنسبة إلى الشريك الأوروبي الذي يراقب الأوضاع بقلق، تبدو الفكرة المغربية أكثر جاذبية في هذا التوقيت الحساس. فالقارة العجوز تمضي بخطى حثيثة في تقليص اعتمادها على الغاز الروسي، لا سيما بعدما أقر مجلس الاتحاد الأوروبي في كانون الثاني/يناير 2026 حظرا تدريجيا على هذه الواردات. وفي الوقت ذاته، تبرهن أزمة هرمز للقادة الأوروبيين أن تنويع “المُورّد” وحده لم يعد كافيا، لأن الخطر الاستراتيجي الحقيقي قد يأتي من “مسار العبور” نفسه.
ومن هذا المنظور الشامل، يعرض المغرب على حلفائه الأوروبيين والأفارقة ما هو أبعد من كميات محتملة من الغاز الإفريقي؛ فهو يعرض ممرا أطلسيا آمنا، وشراكة متكاملة تجمع بين أمن الطاقة، وتطوير اللوجستيك، وتعزيز الربط القاري.
وتظل حدود هذا الطرح واضحة للمخططين في الرباط. فالمشروع الغازي لم يكتمل بعد، والأسواق العالمية تظل مترابطة وقادرة على نقل العدوى السعرية. غير أن السردية المغربية لا تبني قوتها على ادعاءات غير واقعية، بل على تقديم نفسها كجزء من حل هيكلي طويل الأمد.
فحين تصبح الممرات التقليدية أكثر خطرا، وترتفع كلفة التأمين والشحن مع كل قذيفة في الشرق الأوسط، يبدو الرهان على الأطلسي، في القاموس الاستراتيجي المغربي، الخيار الأكثر عقلانية: تنويع للمنافذ، وتوسيع للخيارات، وربط حقيقي بين أمن الطاقة وأمن العبور داخل فضاء إفريقي آمن تقوده الرباط.

