في الوقت الذي تسجل فيه عاصمة البوغاز أعلى معدلات العائد الاستثماري العقاري في المملكة بنسبة تتراوح بين 7% و9% سنويا، قررت جماعة طنحة تفعيل “زر الإنذار” الجبائي.
القرار الأخير بتطبيق مقتضيات القانون رقم 14.25 القاضي بمراجعة الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية، ليس مجرد إجراء إداري، بل هو مناورة اقتصادية دقيقة تستهدف تحرير أوعية عقارية تقدر قيمتها بملايير الدراهم، ظلت لسنوات خارج الدورة الاقتصادية.
كلفة “الجمود” مقابل عائد “التطوير”
وتفرض الآلية الجديدة واقعا ماليا صارما: الأراضي الواقعة في المناطق المجهزة بالكامل (شبكات الماء، الكهرباء، التطهير) ستخضع للحد الأقصى للرسم المحدد في 20 درهما للمتر المربع.
وبلغة الاستثمار، يعني هذا أن مالك قطعة أرضية مساحتها 1000 متر مربع في منطقة حيوية كـ “مالاباطا” أو “إيبيريا” سيكون ملزما بدفع 20.000 درهم سنويا كـ “غرامة تعطيل” للاستثمار.
قد يبدو المبلغ زهيدا مقارنة بأسعار العقار التي تناهز 13.000 درهم للمتر المربع في هذه المناطق الفاخرة، لكنه يحمل رسالة جوهرية: “زمن المجانية انتهى”.
وفي المقابل، ينخفض الرسم إلى 12 درهما للمتر المربع في المناطق متوسطة التجهيز، وإلى درهمين فقط في المناطق الهامشية، مما يخلق خريطة جبائية توجه الاستثمار قسرا نحو القلب النابض للمدينة.
ندرة مفتعلة وسط طوفان الطلب
وتشير بيانات السوق إلى أن طنجة تعيش “ندرة مفتعلة”. فبينما يشتكي المنعشون العقاريون من قلة الوعاء العقاري، مما دفع أسعار الشقق للارتفاع بنسب تتجاوز التضخم، تقبع مئات الهكتارات داخل المدار الحضري كأراض عارية.
ويضيع هذا “الاحتباس” على المدينة فرصا تنموية هائلة، خاصة أن الطلب على السكن في طنجة يتسم بمرونة منخفضة؛ فالمدينة التي تحتضن أكبر ميناء في إفريقيا ومناطق صناعية تشغل عشرات الآلاف، تحتاج سنويا إلى آلاف الوحدات السكنية الجديدة لاستيعاب اليد العاملة الوافدة.
غير ان الرهان الاقتصادي اليوم ينصب على رد فعل كبار الملاك. فنظريا، يفترض أن يؤدي هذا الضغط الضريبي إلى “تسييل الأصول”، أي طرح الأراضي للبيع، مما سيرفع العرض ويساهم في استقرار الأسعار عند مستويات تنافسية.
لكن في حال قرر “حيتان العقار” تمرير هذه التكلفة الإضافية إلى المستهلك النهائي، فقد نشهد ارتفاعا طفيفا في أسعار العقار الجاهز، قبل أن يفرض قانون العرض والطلب كلمته الأخيرة.
إن طنجة اليوم لا تختبر فقط قانونا جبائيا جديدا، بل تختبر نضج سوقها العقارية. فهل تنجح ضريبة الـ 20 درهما في تحريك مياه الاستثمار الراكدة، أم ستمتصها السوق كأي تكلفة تشغيلية أخرى؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة، لكن الأكيد أن المعادلة تغيرت: الأرض في طنجة لم تعد مجرد “خزنة” لحفظ المال، بل أصبحت “ماكينة” يجب أن تعمل أو تدفع الثمن.

