تستعد فرنسا لإحياء الذكرى المئوية لميلاد الفيلسوف ميشيل فوكو، المولود في 15 أكتوبر 1926، عبر برنامج ثقافي وأكاديمي يضم معارض وندوات وإصدارات جديدة، في مناسبة تعيد تسليط الضوء على أحد أبرز المفكرين الفرنسيين في القرن العشرين، والذي لا تزال أعماله تؤثر في الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية بعد أكثر من أربعة عقود على وفاته.
وتتوزع فعاليات الاحتفاء بين مؤسسات ثقافية وأكاديمية ودور نشر، مع اهتمام خاص بمخطوطات فوكو ومحاضراته وأبحاثه المتعلقة بتاريخ الجنون والسجون والسلطة والجنسانية، وهي موضوعات أسهمت في ترسيخ مكانته ضمن الأسماء الأكثر تأثيرا في دراسة العلاقة بين المعرفة والمؤسسات والمجتمع.
ويحتضن «كوليج دو فرانس» في باريس معرضا يستمر إلى غاية 15 يناير المقبل، يعرض مخطوطات غير منشورة للفيلسوف الذي التحق بالتدريس في المؤسسة سنة 1970، إلى جانب مواد تستعيد تطور أفكاره وصلتها بالنقاشات الفلسفية والسياسية التي عرفتها فرنسا خلال النصف الثاني من القرن الماضي.
كما تنظم المكتبة الوطنية الفرنسية، في الثاني من نونبر المقبل، أمسية بعنوان «جرد فوكو»، تسلط الضوء على جوانب من إنتاجه الفكري وتأثيره في البحث المعاصر، وتتيح للجمهور الاطلاع على أعمال ارتبطت طويلا بالأوساط الجامعية.
وتواكب الاحتفالات حركة نشر تشمل إعادة إصدار مؤلفات للفيلسوف وإطلاق دراسات جديدة عن حياته ومساره الفكري، في محاولة لقراءة أعماله على ضوء التحولات التي عرفتها الفلسفة والعلوم الاجتماعية خلال العقود الماضية.
ومن بين الإصدارات المرتقبة ألبوم ضمن سلسلة «لابلياد» الأدبية الفرنسية، وملف خاص في سلسلة «دفاتر ليرن»، إلى جانب كتب تتناول مراحل مختلفة من حياته، من بينها «فوكو قبل فوكو» للباحث دافيد بوو، الصادر عن دار «دونوال»، والذي يعود إلى سنوات تكوينه الفكري قبل أن يكتسب شهرة واسعة.
وتشمل الإصدارات الجديدة أيضا عملين مصورين هما «فوكو يختفي»، الصادر عن دار «مورغن»، و«فوكو، حيوات متوازية»، عن دار «دلكور»، في مسعى إلى تقديم أفكاره ومساره إلى قراء خارج الدوائر الأكاديمية المتخصصة.
ويكتسب معرض «كوليج دو فرانس» أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباط فوكو بهذه المؤسسة، حيث قدم دروسا تناولت تطور المؤسسات الاجتماعية والسياسية وآليات ممارسة السلطة والعلاقة بين إنتاج المعرفة وتنظيم المجتمعات. كما واصلت دور النشر إصدار محاضراته ومخطوطاته بعد وفاته، ما أتاح للباحثين تتبع التحولات التي عرفتها أفكاره ومناهجه.
ولد ميشيل فوكو في مدينة بواتييه الفرنسية داخل أسرة من الأطباء، وحصل على شهادة التبريز في الفلسفة سنة 1951. وتنقل في بدايات مساره بين السويد وبولندا وألمانيا في مهام أكاديمية وثقافية، قبل أن يبدأ تدريس علم النفس في مدينة كليرمون فيران سنة 1961.
وفي السنة نفسها، نشر كتابه «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي»، الذي تناول التحولات التاريخية في نظرة المجتمعات الأوروبية إلى الجنون، وعلاقة المؤسسات الطبية والاجتماعية بتحديد ما يعد طبيعيا أو غير طبيعي. وشكل الكتاب محطة بارزة في مساره، إذ اتجه من خلاله إلى دراسة الظروف التاريخية التي تتشكل ضمنها المفاهيم والمؤسسات، ومساءلة التصنيفات التي تقدم أحيانا باعتبارها حقائق ثابتة.
وفي سنة 1966، أصدر كتاب «الكلمات والأشياء»، الذي حقق انتشارا واسعا في فرنسا وأثار نقاشا حول مناهج دراسة الإنسان والمعرفة. وانتقل لاحقا إلى تونس لتدريس الفلسفة في جامعتها، قبل أن يعود إلى فرنسا وينتخب أستاذا في «كوليج دو فرانس» سنة 1970.
وفي سنة 1975، نشر «المراقبة والعقاب»، الذي درس فيه نشأة السجن الحديث والتحولات التي عرفتها أساليب العقاب والانضباط، محللا الانتقال من العقوبات الجسدية العلنية إلى أنظمة أكثر تنظيما للمراقبة داخل المؤسسات.
ولم يقتصر اهتمامه بالسجون على البحث الأكاديمي، إذ شارك في أنشطة مجموعة الإعلام حول السجون، التي سعت إلى كشف أوضاع المعتقلين وإتاحة المجال أمامهم للتعبير عن ظروف احتجازهم. كما انخرط في قضايا اجتماعية وسياسية، من بينها الدفاع عن حقوق السجناء ودعم اللاجئين الفيتناميين المعروفين باسم «لاجئي القوارب»، والتضامن مع النقابيين البولنديين.
وفي أواخر سنة 1978، زار إيران لإعداد تقارير صحافية عن الثورة التي انتهت بقيام الجمهورية الإسلامية بقيادة آية الله الخميني، وهي تجربة أثارت نقاشات بشأن قراءته للتحولات السياسية والدينية التي شهدتها البلاد.
وخلال المرحلة الأخيرة من مساره، اتجه فوكو إلى دراسة تاريخ الممارسات المرتبطة بالجنس والأخلاق، وأصدر ثلاثة أجزاء من مشروعه «تاريخ الجنسانية» بين سنتي 1976 و1984. أما الجزء الرابع، «اعترافات الجسد»، فنشر بعد وفاته سنة 2018، متناولا جوانب من أبحاثه بشأن المسيحية المبكرة وتاريخ تشكل التصورات الأخلاقية.
بعد قرن على ميلاده، لا تزال أعمال فوكو تحظى بحضور واسع في الجامعات ومراكز البحث، خصوصا في العالم الناطق بالإنجليزية، كما امتد تأثيرها إلى الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع والدراسات الأدبية والثقافية، فضلا عن الأبحاث المرتبطة بالمؤسسات الطبية والسجون والأقليات.
ويرى الفيلسوف الفرنسي فريديريك غرو، مؤلف كتاب «قوة فوكو» وصاحب مقدمة مختارات «أقوال وكتابات ميشيل فوكو» المنشورة ضمن سلسلة «لابلياد»، أن الفيلسوف أحدث تحولا عميقا في طريقة تناول مفاهيم الجنون والسلطة والجنسانية خلال القرن العشرين.
من جهته، قال عالم الاجتماع الفرنسي ديدييه فاسان، مؤلف كتاب «هكذا كان يفكر ميشيل فوكو»، لوكالة فرانس برس، إن فوكو يعد من أكثر مؤلفي العلوم الإنسانية والاجتماعية استشهادا بأعمالهم على مستوى العالم، مشيرا إلى أن تأثيره تجاوز الفلسفة والتاريخ إلى الدراسات الأدبية وأبحاث الأقليات، وصولا إلى مجالات لم يتناولها بصورة مباشرة، من بينها القضايا الاستعمارية.
ويعزو فاسان هذا الامتداد إلى المنهج النقدي الذي اعتمده فوكو في دراسة الأفكار والمؤسسات، والقائم على مساءلة ما يبدو بديهيا في مرحلة تاريخية معينة، والبحث في الظروف التي تمنح بعض الممارسات والتصورات صفة الحقيقة أو المشروعية.
وقد استفاد باحثون في مجالات الطب والقانون والتربية والعلوم السياسية من تحليلاته المتعلقة بالمراقبة والانضباط وإنتاج المعرفة، رغم استمرار النقاش الأكاديمي بشأن حدود بعض أطروحاته ونتائجها.
وتوفي ميشيل فوكو في باريس يوم 25 يونيو 1984، عن عمر ناهز 57 عاما، إثر إصابته بمرض الإيدز، تاركا مؤلفات ومحاضرات ومخطوطات واصلت المؤسسات البحثية ودور النشر الاهتمام بها على مدى عقود.
وتشكل مئوية ميلاده مناسبة لإعادة تقديم هذا الإرث إلى أجيال جديدة من القراء والباحثين، في وقت لا تزال فيه أسئلته بشأن السلطة والسجون والطب والجنسانية وتاريخ المعرفة حاضرة في النقاشات الفكرية والأكاديمية المعاصرة.

