يواجه قطاع الدواجن في المغرب مرحلة دقيقة تتسم بتوتر متصاعد بين صغار المربين والشركات الكبرى المتحكمة في المدخلات، في وقت دخل فيه مجلس المنافسة على خط الأزمة عبر تحقيقات ميدانية قد تعيد رسم خريطة التوازنات داخل هذه السلسلة الغذائية الحيوية.
ويأتي هذا التوتر في أعقاب اتهامات مباشرة وجهتها الجمعية الوطنية لمربي دجاج اللحم للشركات الكبرى بممارسة “وضع احتكاري” في سوق الكتاكيت والأعلاف المركبة.
وترى الجمعية أن هذه الشركات تواصل فرض أسعار مرتفعة للمدخلات رغم تراجع تكلفة المواد الأولية في الأسواق الدولية، مما يخلق مفارقة اقتصادية يدفع ثمنها المنتج الصغير والمستهلك النهائي على حد سواء.
وتتزامن هذه الاتهامات مع تحرك رسمي لافت، إذ أعلن مجلس المنافسة مطلع دجنبر 2025 عن تنفيذ عمليات زيارة وحجز متزامنة بمقار عدد من الفاعلين في سوق الأعلاف والأنشطة المرتبطة بها.
وتندرج هذه الخطوة ضمن تحقيقات في شبهات ممارسات منافية لقواعد المنافسة، وإن كان المجلس قد شدد على أن هذه الإجراءات تظل أولية ولا تعني إدانة مسبقة للشركات المعنية، بانتظار استكمال المساطر القانونية.
وتكشف المعطيات المهنية عن خلل هيكلي في بنية القطاع يتمثل في درجة تركيز مرتفعة، حيث تهيمن مجموعة محدودة من الشركات على توريد المواد الأولية وإنتاج الأعلاف، مما يقلص هامش المناورة أمام آلاف المربين الصغار.
وقد أدى هذا الوضع، وفقا لبيانات المهنيين، إلى موجة من “الخسائر المتتالية” دفعت بعدد غير قليل من المربين إلى إعلان إفلاسهم ومغادرة السوق، مما يهدد استدامة العرض.
ويثير ملف الدعم العمومي جدلا إضافيا في هذه المعادلة، حيث يشير المربون إلى أن استفادة بعض الشركات الكبرى من الدعم المخصص للقطاع لم تنعكس إيجابا على خفض تكلفة الإنتاج أو أسعار البيع.
ويطرح هذا المعطى تساؤلات حول فعالية آليات الدعم الحالية وما إذا كانت حلقاته الأولى تستحوذ على القيمة المضافة دون تمريرها إلى باقي حلقات السلسلة وصولا إلى المستهلك.
وتكتسي هذه التجاذبات أهمية قصوى بالنظر للوزن الاستراتيجي للقطاع في الأمن الغذائي للمملكة. فوفقا لأرقام الفيدرالية البيمهنية لقطاع الدواجن، وفر الإنتاج العصري نحو 735 ألف طن من اللحوم و5.5 مليارات بيضة خلال سنة 2024.
وتعني هذه الأرقام أن أي اختلال طويل الأمد في التوازن بين الفاعلين قد يؤدي إلى اضطرابات في العرض تمس بشكل مباشر القدرة الشرائية للأسر المغربية.
وعلى مستوى الأسعار، تعكس السوق حالة من عدم اليقين، إذ شهدت أثمان الدواجن تقلبات حادة تراوحت بين مستويات قياسية تجاوزت 23 درهما للكيلوغرام وانخفاضات مفاجئة إلى حدود 14 درهما مع نهاية السنة.
ويعزو الخبراء هذه التذبذبات السريعة إلى التحكم في وتيرة عرض الكتاكيت وتغيرات كلفة الأعلاف، مما يجعل السوق رهينة لقرارات فاعلين محدودين.
ويتناقض هذا الوضع المتوتر قطاعيا مع المؤشرات الكلية التي أوردتها تقارير دولية، منها تقارير منظمة الأغذية والزراعة (فاو)، والتي رصدت بقاء التضخم الغذائي في المغرب عند مستويات منخفضة نسبيا خلال 2025.
ويشير هذا التباين إلى أن المشكلة قد لا تكون مرتبطة بالظرفية الاقتصادية العامة بقدر ارتباطها باختلالات تنظيمية وتنافسية داخل قطاع الدواجن تحديدا.
وتترقب الأوساط المهنية والاقتصادية ما ستسفر عنه تحقيقات مجلس المنافسة، حيث يُنظر إليها كمدخل حاسم لتصحيح الاختلالات وفرض شروط منافسة عادلة، في وقت يطالب فيه المربون بتدخل حكومي عاجل لإنقاذ صغار المنتجين وضمان استقرار الأسعار في سوق لا تحتمل المزيد من الهزات.

