مع العودة لتطبيق التوقيت الصيفي في المغرب فجر الأحد، تجاوز الجدل السنوي الرافض لإضافة ستين دقيقة للتوقيت القانوني مربع الاحتجاج الافتراضي عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ليتخذ مسارا تنظيميا غير مسبوق.
وانتقلت المواقف المناهضة لهذا الإجراء الحكومي من التعبير الانفعالي العابر إلى تحركات مدنية مؤطرة، تعتمد آليات الديمقراطية التشاركية عبر توقيع العرائض الجماعية وتطرق أبواب البرلمان، في مسعى صريح لتحويل الانزعاج الشعبي إلى ملف ترافعي منظم.
ولم يعد الاختلاف خلال هذه السنة يكمن فقط في اتساع رقعة الرفض المجتمعي، بل يتجلى بوضوح في المنهجية المعتمدة للتعبير عنه.
وتجاوزت الفئات الرافضة، التي كانت تكتفي في الغالب بتدوينات غاضبة وشكاوى متكررة من صعوبات التكيف البيولوجي والارتباك الحاصل في الزمن المدرسي والمهني، هذا الأسلوب نحو صياغة مبادرة مدنية مهيكلة تحمل اسما دالا وتطرح خطابا موحدا، مقدمة نفسها كإطار مؤسساتي لتجميع الأصوات المعارضة، وليس مجرد صدى موسمي لها.
وخلال الأسابيع التي سبقت تفعيل قرار العمل بتوقيت (غرينتش + 1)، برزت “الحملة الوطنية من أجل العودة إلى الساعة القانونية” كواجهة رئيسية لهذا التحول في التعاطي مع الملف.
وتطرح الحملة أهدافها بصيغة تتجاوز المزاج الاحتجاجي المباشر، موجهة الدعوة لفتح نقاش عمومي شامل حول التداعيات الفعلية للساعة الإضافية على المعيش اليومي للمواطنين، مرورا بالتأثيرات الصحية والنفسية، وصولا إلى تقييم انعكاساتها على جودة التحصيل الدراسي. وتهدف هذه الخطوة إلى إعادة صياغة الملف باعتباره قضية مجتمعية قابلة للترافع.
وتجسد هذا التحول المنهجي بشكل ملموس من خلال الرهان الاستراتيجي على العريضة كأداة ضغط مدنية. ولم تعد العريضة الإلكترونية المفتوحة لجمع التوقيعات مجرد وعاء رمزي لتسجيل المواقف، بل تحولت إلى محرك أساسي لبناء الزخم حول مطلب إلغاء التوقيت الصيفي.
ووفرت الأرقام المتصاعدة للموقعين في ظرف زمني وجيز مادة إحصائية ملموسة، تؤكد أن الرفض يتخذ شكل كتلة اجتماعية واسعة وقابلة للقياس، مما يمنح الحملة دليلا على استمرارية القضية.
ولم يقف الطابع التنظيمي للحملة عند عتبة التعبئة الرقمية، بل اعتمدت لغة مؤسساتية صريحة من خلال الإعلان عن التوجه نحو صياغة عريضة وطنية تستجيب للمقتضيات القانونية المؤطرة لآليات الديمقراطية التشاركية.
ورافق ذلك توجه نحو مراسلة المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، مما يعكس رغبة في نقل الاعتراض من فضاء الاحتجاج المفتوح إلى قنوات المؤسسات الرسمية، لمنح المحتجين صفة المخاطب العمومي القادر على مناقشة جدوى القرارات الحكومية.
وتعود جذور هذا المسار إلى أواخر سنة 2018، عندما قررت الحكومة ترسيم العمل بالتوقيت الصيفي طيلة أيام السنة بشكل دائم، مبررة التوجه الرسمي حينها بوجود مكاسب اقتصادية تتمثل في تقليص الفاتورة الطاقية وتعزيز التنافسية الاقتصادية عبر تقريب الفارق الزمني مع الشركاء التجاريين في أوروبا. غير أن هذه المبررات اصطدمت برفض شعبي استمر في التبلور ليأخذ شكله التنظيمي الحالي
ويشكل الإيقاع المدرسي النقطة المحورية في الترافع المدني الحالي. وتركز الوثائق التوجيهية للمحتجين على التأثيرات الناتجة عن حرمان التلاميذ من ساعات النوم الكافية، واضطرارهم لمغادرة منازلهم في أوقات مبكرة تتزامن مع فترات الظلام خلال فصلي الخريف والشتاء، ما يطرح تحديات تتعلق بالأمن الجسدي للمتمدرسين وتراجع مستويات التحصيل.
وبالموازاة مع هذا الحراك، فرض النقاش نفسه داخل قبة البرلمان بعد مبادرة فرق برلمانية إلى توجيه أسئلة كتابية للحكومة، تطالب من خلالها بالكشف عن التقييم الرسمي لقرار الاستمرار في اعتماد الساعة الإضافية.
ورغم أن هذه التحركات لا تعني توجها حكوميا وشيكا للتراجع عن القرار، إلا أنها تؤكد أن الاعتراض المدني نجح في اختراق المؤسسة التشريعية وفرض الموضوع في جدول المساءلة السياسية.
وتبرز قصة توقيت هذه السنة تحولا في سلوك الشارع المغربي تجاه القرارات العمومية. فالمسألة تكشف عن وعي متزايد بآليات الاعتراض المنظم عبر هيكلة المطالب، استثمار الحق في تقديم العرائض، وربط الملف ديناميكيا بالمؤسسات. وفي مشهد ألف العودة الموسمية لهذا الجدل، يسجل المناهضون نقطة تحول تتمثل في الانتقال من تسجيل الرفض المطلق، إلى الانخراط في هندسة مسار ترافعي لتدبير هذا الرفض وفق القواعد المؤسساتية.

